
بقلم عمار نجم الدين
في مايو 2025 انتشر على حسابٍ مؤيدٍ للجيش السوداني مقطع فيديو قصير من مدينة بارا في شمال كردفان. لم يكن المشهد لافتًا في البداية، لكن حين حلّل الخبراء اللقطة لاحظوا شيئًا غير مألوف: سحابة صفراء مائلة إلى الخضرة تتصاعد ببطء فوق موقع القصف. كان ذلك اللون وحده كافيًا ليعيد إلى الأذهان أكثر الملفات حساسية في تاريخ الحروب الحديثة، اللون الذي لا يخطئه من يعرف غاز الكلور.
الفيديو لم يلتقط انفجارًا عاديًا. لقد وثّق لحظة استخدم فيها الجيش السوداني سلاحًا محظورًا دوليًا داخل أراضيه. بعد ساعات من الهجوم، انتشرت حالات اختناق وسعال حارق بين المدنيين في محيط بارا، ونُقل العشرات إلى مستشفى الأبيض بأعراض تنفسية شديدة. في التقارير الطبية غير المنشورة وُصفت الإصابات بأنها «مطابقة للتعرض لمركّب كلوري».
منظمة هيومن رايتس ووتش أعلنت لاحقًا أن الجيش استخدم غاز الكلور مرة أخرى، مؤكدة أن لديها أدلة موثوقة تشمل هذا الفيديو وصورًا التُقطت بعد القصف تُظهر الحاويات المعدنية المميزة التي تُخزَّن فيها أسطوانات الكلور. التحقيق الرقمي الذي أجراه فريق من المحققين المستقلين حدد الموقع الجغرافي بدقة، وتطابق ذلك مع سجلّات النشاط العسكري للقوات المسلحة في المنطقة. لم يكن ثمة شك في أن الطيران الذي نفّذ الهجوم يتبع القيادة العامة في بورتسودان.
حادثة بارا لم تكن الأولى من نوعها. ففي سبتمبر 2024 وثّقت تقارير فرنسية وأممية هجومين مشابهين شمال الخرطوم، في منطقتي الجيلي وغاري، أظهرت فيهما لقطات جوية سحبًا صفراء مماثلة بعد قصفٍ جوي. كانت تلك المناطق تحت سيطرة الجيش، ما جعل الشبه بين الحوادث الثلاثة واضحًا: نفس النمط، نفس اللون، ونفس الضحايا. بذلك، لم يعد الحديث عن خطأ ميداني بل عن سياسةٍ متكررة تستخدم الكلور كأداة حرب داخلية.
الكلور في أصله مادة تُستخدم في تعقيم المياه والمستشفيات، لكنه حين يُضغط في حاويات معدنية ويُطلق في الهواء يصبح غازًا خانقًا يهاجم الرئتين ويقتل بالبطيء. استنشاقه يؤدي إلى تآكل الأنسجة الداخلية، وإلى الوفاة في الحالات الحادة خلال دقائق. الناجون من بارا وصفوا شعورهم بنارٍ تشتعل في الصدر وبهواءٍ لا يمكن ابتلاعه. بعضهم ظلّ يعاني لأيام من سعالٍ دامي وضيقٍ دائم في التنفس. طفلان توفيا بعد ساعات من استنشاق الغاز داخل منزلهما المغلق.
بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يُعد استخدام المواد الخانقة أو السامة جريمة حرب. كما أن السودان طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التي تمنع استخدام أي مادة صناعية كسلاح مهما كان الغرض. وجود براميل الكلور في مواقع عسكرية، لا في منشآت مدنية، يعني أن القرار لم يصدر من ضابط ميداني بل من قيادةٍ عليا، وهو ما يجعل الجريمة ذات طابعٍ سياسي لا عسكري فقط.
بعد الهجمات الأولى في الخرطوم، فرضت الولايات المتحدة في يناير 2025 عقوبات على الجنرال عبد الفتاح البرهان، متهمة إياه بالإشراف على استخدام أسلحة كيميائية. وفي مايو أعلنت واشنطن أن السودان أصبح دولة غير ممتثلة لاتفاقية الأسلحة الكيميائية، ما ترتب عليه تجميد أصول ضباط بارزين، ومنع الصادرات ذات الاستخدام المزدوج، وتعليق التعاون الدفاعي، وعزل النظام اقتصاديًا ودبلوماسيًا. ومع ظهور أدلة جديدة من بارا، تتزايد الدعوات الدولية لإحالة الملف إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لإجراء تفتيش رسمي من نوع «التحدي»، وهو الإجراء الأكثر صرامة في القانون الدولي.
النتائج البيئية لا تقل خطورة عن الأثر البشري. تحاليل التربة في محيط بارا أظهرت زيادة مرتفعة في نسبة الكلوريدات والمعادن المؤكسدة، ما يشير إلى تلوثٍ طويل الأمد في المياه الجوفية. الأطباء يحذرون من ارتفاع متوقع في التشوهات الخلقية وأمراض الجهاز التنفسي خلال السنوات المقبلة. الكلور لا يقتل الأحياء فقط، بل يسمّم الأرض التي يعيشون عليها، ويترك أثره في أجساد المواليد قبل أن يولدوا.
النظام القابع في بورتسودان، وهو الامتداد الأوضح لتنظيم الإخوان المسلمين في السلطة، يواجه اليوم اتهامات تتجاوز حدود السياسة. فالقضية لم تعد عن فساد أو قمع أو إبادة تقليدية، بل عن جريمة كيميائية موثقة ضد المدنيين. وإذا أقرّت المحكمة الجنائية الدولية بتكرار استخدام الكلور، فسيصبح البرهان أول قائد سوداني يُتهم باستخدام سلاح كيميائي في نزاع داخلي.
ما حدث في بارا ليس مجرد واقعة أخرى في حربٍ فوضوية. إنه تحوّل نوعي في بنية العنف التي تحكم السودان منذ عقود. لقد تحوّل الهواء نفسه إلى أداة قتل، والجيش الذي يزعم حماية البلاد صار يتنفس الكذب ويختنق به. حتى لو اختفت السحابة من سماء بارا، ستظلّ عالقة في ذاكرة السودانيين والعالم، دليلًا على أن دولةً حكمها الإخوان بالحديد والنار انتهت إلى مرحلةٍ تستخدم فيها الغازات لتخنق ما تبقّى من شعبها.



