السودان من قبضة المركز إلى وحدة الإرادة وبناء الأمة

السودان من قبضة المركز إلى وحدة الإرادة وبناء الأمة
بقلم: خالد النيل جمعة سهل
(نحو دولة لا مركزية، ومجتمعات تقود مستقبلها، ووطن يتسع لجميع أبنائه في عالم يعيد تشكيل موازين القوة والنفوذ)
ان ما يحدث في بلادنا ليست أزمة سياسية عابرة، ولا هي حرب تنتهي بمجرد توقف المدافع وتوقيع اتفاق بين المتحاربين؛ إننا امام لحظة تاريخية فارقة تضع الدولة السودانية، بصيغتها التي تشكلت منذ الاستقلال، أمام امتحان وجودي يتصل بطبيعة السلطة، ومعنى المواطنة، وعدالة توزيع الثروة، ومستقبل العلاقة بين الأقاليم والمركز.
لقد كشفت الحروب المتعاقبة، وما انتهت إليه من انهيار مؤسسات واتساع رقعة النزوح وتفكك النسيج الاجتماعي، عن خلل عميق في بنية الدولة، حيث ظلت السلطة والثروة ومفاتيح القرار أسيرة مركز محدود، بينما عاشت مناطق واسعة من البلاد على هامش التنمية والتمثيل السياسي والخدمات الأساسية. ولم يكن ذلك مجرد اختلال إداري يمكن علاجه بتغيير الحكومات، بل أزمة تأسيسية في العلاقة بين الدولة ومجتمعاتها.
اليوم، تلوح أمامنا كسودانين فرصة تاريخية لإعادة بناء هذه العلاقة، والانتقال من دولة تتنازع مكوناتها على امتلاكها إلى وطن تتشارك شعوبه في إدارته وصناعة مستقبله. غير أن هذه الفرصة لن تتحقق تلقائياً بانتهاء الحرب، وإنما تحتاج إلى مشروع وطني يتجاوز عقلية الغلبة، ويضع أسساً جديدة للوحدة والعدالة والسلطة.
إن أحد أهم الدروس التي ينبغي أن تستخلصها النخب من تاريخ البلاد هو أن المركزية المفرطة لم تنجح في صناعة الوحدة المستدامة، بل ساهمت في تعميق المظالم وإضعاف الثقة بين الدولة والأقاليم. فالوحدة التي تقوم على احتكار القرار، وتفاوت فرص التنمية، وإخضاع المجتمعات لإرادة المركز، تظل وحدة هشة، مهما بدت متماسكة في ظاهرها.
ولذلك، فإن تجاوز حقبة المركزية لا يعني معاقبة مجموعات سكانية بعينها ، ولا نقل الامتيازات من منطقة إلى أخرى، بل إنهاء الامتياز الجغرافي والسياسي نفسه، بحيث لا تصبح المسافة من العاصمة محدداً لفرص المواطن في التعليم والصحة والاستثمار والمشاركة في الحكم.
إن المطلوب ليس استبدال مركز بمركز آخر، وإنما إعادة تأسيس الدولة على قاعدة توزيع السلطة والثروة والمسؤولية بين جميع الأقاليم.
فالدولة القوية ليست تلك التي تحتكر كل شيء، بل التي تمتلك مؤسسات وطنية قادرة على حماية الحقوق وتنظيم المصالح المشتركة، وتمنح مجتمعاتها القدرة على إدارة شؤونها ضمن إطار دستوري جامع.
ومن هنا، تصبح اللامركزية الحقيقية مدخلاً لإعادة بناء السودان، لا بوصفها تنازلاً من الحكومة المركزية، بل باعتبارها حقاً دستورياً للمجتمعات والأقاليم، وشرطاً لتحقيق الاستقرار والتنمية والسلام المستدام.
إن مستقبل السودان ينبغي أن يقوم على وحدة اختيارية تستمد شرعيتها من إرادة مواطنيه، لا على وحدة مفروضة بالقوة أو الخوف من الانقسام. فالأوطان لا تستقر بمجرد رسم الحدود، وإنما تستقر حين يشعر الناس بأن الدولة تحمي كرامتهم، وتصون حقوقهم، وتتيح لهم المشاركة العادلة في إدارة مواردهم وتحديد أولوياتهم.
وتقتضي هذه الرؤية بناء دولة اتحادية ديمقراطية تتوزع فيها الاختصاصات بوضوح بين الحكومة الوطنية، وحكومات الأقاليم، والسلطات المحلية، مع ضمان استقلال القضاء وخضوع المؤسسات الأمنية والعسكرية لسلطة دستورية مدنية.
تتولى الدولة الوطنية القضايا السيادية المشتركة، مثل الدفاع والسياسة الخارجية والجنسية والسياسات الاقتصادية العامة، بينما تضطلع الأقاليم بالتخطيط التنموي وإدارة أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية، وتُمنح المحليات صلاحيات حقيقية في الخدمات والتنمية المحلية وإدارة الأسواق والموارد المشتركة.
ولا معنى لهذه اللامركزية إذا ظلت الأقاليم مسؤولة عن تقديم الخدمات دون أن تمتلك الموارد المالية اللازمة. لذلك لا بد من نظام اتحادي عادل للإيرادات والتحويلات المالية، يضمن للأقاليم المنتجة نصيباً من عوائد مواردها، ويكفل لجميع المواطنين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، ويمنح المناطق الأكثر تضرراً وفقراً أولوية في إعادة الإعمار والتنمية.
إن الوحدة الطوعية لا تعني تفكيك الدولة أو تحويل الأقاليم إلى كيانات متنافسة، بل بناء اتحاد وطني تكون فيه المشاركة في السيادة والمصالح المشتركة أساساً للانتماء، وتصبح فيه قوة الأقاليم رافعة لقوة السودان كله.
لقد أثبتت المجتمعات السودانية، في أوقات الأزمات وغياب المؤسسات، قدرتها على تنظيم شؤونها وتوفير أشكال من الحماية والتكافل وإدارة بعض النزاعات والموارد المشتركة. وهذه القدرات تمثل رصيداً وطنياً ينبغي الاستفادة منه في بناء الدولة الجديدة.
لكن المطلوب ليس استبدال الدولة الحديثة بالإدارة الأهلية، ولا إحلال الولاءات القبلية محل المواطنة، بل تطوير نموذج للحكم المحلي يجمع بين المعرفة المجتمعية والخبرة المؤسسية والشرعية الديمقراطية.
إن الإدارة الأهلية، والقيادات المجتمعية، والنقابات، والنساء، والشباب، والمهنيين، ومنظمات المجتمع المدني، جميعهم شركاء في صناعة القرار المحلي، ضمن مؤسسات منتخبة وخاضعة للمساءلة، تحمي حقوق الأفراد ولا تسمح باحتكار السلطة باسم القبيلة أو الجماعة أو المكانة الاجتماعية.
وفي هذا النموذج، لا تكون المجتمعات مجرد متلقٍ للخدمات، بل شريكاً في تحديد الأولويات ومراقبة الإنفاق وإدارة التنمية.
وهنا تبرز أهمية إعادة الاعتبار للمحليات والمجتمعات الريفية، التي ظلت في كثير من الأحيان بعيدة عن دوائر التخطيط والقرار، رغم أنها الأكثر اتصالاً بالأرض والموارد والاحتياجات الفعلية للسكان.
لا يمكن بناء أمة سودانية موحدة ما دامت الدولة ساحة لتنافس الأيديولوجيات على احتكار السلطة وتعريف الوطنية، أو ما دام الانتماء السياسي أو الديني أو القبلي يُستخدم لتحديد من يستحق الحكم ومن ينبغي إقصاؤه.
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً حين اختلطت مؤسسات الدولة بمصالح التنظيمات السياسية، وحين تحولت الوظائف العامة والموارد الوطنية إلى أدوات للتمكين، وحين أصبح الولاء للتنظيم مقدماً على الكفاءة والمصلحة العامة.
إن تجاوز هذه المرحلة لا يعني إقصاء أصحاب الأفكار أو مصادرة حقهم في المشاركة السياسية، بل إنهاء احتكار الدولة باسم أي أيديولوجيا، وإخضاع جميع القوى السياسية لقواعد دستورية واحدة، تقوم على المواطنة المتساوية والتنافس السلمي والتداول الديمقراطي للسلطة.
ومن الضروري التمييز بين حرية الاعتقاد والعمل السياسي، التي ينبغي أن تكون مكفولة للجميع، وبين المسؤولية عن الجرائم والفساد والتحريض على العنف وتقويض المؤسسات الدستورية، وهي مسؤوليات يجب أن تُحسم عبر التحقيق والقضاء وسيادة القانون.
فالسودان الجديد لا يحتاج إلى إقصاء أيديولوجيا بأخرى، بل إلى نظام يمنع أي تيار من احتكار الدولة، ويضمن أن تكون السلطة تفويضاً مؤقتاً من الشعب، لا ملكية دائمة لجماعة أو تنظيم.
بالنظر الي الجغرافيا السودانية بجد انها تكتسب أهمية استراتيجية متزايدة في ظل التحولات الدولية والإقليمية. فالسودان يقع عند ملتقى القرن الأفريقي والبحر الأحمر وحوض النيل ومنطقة الساحل والصحراء، ويمتلك موارد زراعية وحيوانية ومعدنية، فضلاً عن موقع يمكن أن يجعله حلقة وصل مهمة بين الأسواق الأفريقية والعربية.
وفي عالم تتصاعد فيه المنافسة على الموانئ والممرات البحرية والغذاء والمعادن والطاقة، يمكن لهذا الموقع أن يتحول إلى مصدر قوة اقتصادية وسياسية للسودان، إذا نجح في بناء دولة مستقرة ومؤسسات ذات شرعية وطنية.
لكن الموقع الاستراتيجي وحده لا يصنع النفوذ. فالدول التي تعجز عن إدارة تنوعها الداخلي وتأمين مواردها وتوحيد مؤسساتها تصبح أكثر عرضة لتدخلات القوى الخارجية وتنافساتها.
ولهذا ينبغي للسودان أن يتعامل مع محيطه الدولي بعقلية المصالح الوطنية، لا بمنطق الارتهان لمحور خارجي أو البحث عن حماية سياسية مقابل التنازل عن القرار الوطني. فالعلاقات مع الدول العربية والأفريقية والآسيوية والغربية يجب أن تقوم على المصالح المتبادلة، وتنويع الشراكات، وحماية السيادة، وجذب الاستثمار المنتج.
كما أن استقرار السودان ليس شأناً داخلياً فحسب؛ فاستمرار الحرب يهدد الأمن الإقليمي عبر النزوح وتدفقات السلاح وتوسع الاقتصاد غير الرسمي وتعطيل التجارة. ومن ثم، فإن إنهاء الحرب وبناء دولة مدنية مستقرة يمثلان مصلحة للسودانيين ولجيرانهم على السواء.
إن الرهان الحقيقي ليس على ما يريده العالم للسودان، بل على قدرة السودانيين على بناء دولة تجعل التعامل معها شراكة بين أطراف مستقلة، لا تنافساً على أرض مفتوحة للصراع.
لا يمكن بناء الوحدة على الفقر والتهميش، ولا يمكن ترسيخ السلام في مجتمعات تتنافس على موارد محدودة وفرص اقتصادية ضيقة. ولذلك فإن إعادة بناء الدولة يجب أن تترافق مع إعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية عادلة.
ويمتلك السودان إمكانات كبيرة في الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية والتعدين والطاقة والتجارة الإقليمية. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى ثروة حقيقية يتطلب تجاوز نموذج تصدير المواد الخام، وبناء صناعات تحويلية قرب مناطق الإنتاج، وتطوير الطرق والسكك الحديدية والطاقة والتخزين وسلاسل التبريد والتمويل.
وفي كردفان، على سبيل المثال، يمكن تطوير اقتصاد متكامل للضأن واللحوم والألبان والجلود، يرتبط بتحسين المراعي والخدمات البيطرية والتصنيع والتسويق والتصدير. وفي دارفور يمكن دعم الإنتاج الزراعي والحيواني وشبكات التجارة الإقليمية، بينما يتيح موقع شرق السودان فرصاً للتوسع في الخدمات البحرية واللوجستية والصناعات المرتبطة بالموانئ. أما الشمال والوسط فيمكنهما الإسهام في تطوير الزراعة والطاقة والصناعات والخدمات والأسواق الوطنية.
إن المطلوب هو تحويل الأقاليم من مناطق تنتظر التحويلات المالية إلى مراكز إنتاج وابتكار واستثمار، ترتبط فيما بينها بشبكة من المصالح الاقتصادية المتبادلة.
ويجب أن يصاحب ذلك نظام عادل لتوزيع الإيرادات، وضمانات للشفافية ومكافحة الفساد، وحماية لحقوق المجتمعات المحلية، حتى لا تتحول اللامركزية إلى احتكارات إقليمية جديدة تستأثر بالموارد وتعيد إنتاج التهميش داخل الأقاليم نفسها فالتنمية العادلة ليست مجرد سياسة اقتصادية، بل هي أحد أهم شروط الوحدة الوطنية.
لا يمكن للسودان أن يبدأ مستقبله من دون مواجهة ماضيه. فالحرب خلّفت ضحايا ونازحين ولاجئين ودماراً واسعاً وانتهاكات جسيمة، وأضعفت الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة وبين المجتمعات نفسها.
ومن ثم، فإن أي تسوية سياسية لا تعالج جذور النزاع، ولا تنصف الضحايا، ولا تضمن إصلاح المؤسسات، ستظل معرضة للانهيار عند أول أزمة جديدة.
إن السلام المستدام يحتاج إلى عدالة انتقالية تكشف الحقيقة، وتحقق في الانتهاكات، وتحاسب المسؤولين وفق القانون، وتجبر الضرر، وتعيد الحقوق والممتلكات حيثما أمكن، وتصلح المؤسسات التي ساهمت في إنتاج العنف أو عجزت عن منعه.
كما يحتاج إلى إصلاح أمني وعسكري ينهي تعدد الجيوش ومراكز القيادة، ويؤسس لمؤسسة عسكرية وطنية مهنية موحدة، وأجهزة أمنية خاضعة للقانون والسلطة المدنية، مع برامج واقعية لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.
ولا تعني العدالة الانتقام من جماعات أو مناطق بأكملها، كما لا تعني المصالحة منح حصانة شاملة لمن ارتكب الجرائم. فالطريق الصحيح هو الجمع بين المساءلة القانونية والمصالحة المجتمعية، بما يمنع تكرار الانتهاكات ويعيد بناء الثقة.
يقف السودان أمام مفترق طرق؛ فإما أن تتحول نهاية الحرب إلى بداية لتسوية وطنية تعيد تأسيس الدولة وتوزع السلطة والثروة بعدالة، وإما أن تتوقف بعض جبهات القتال بينما تستمر مراكز النفوذ المتنافسة، أو يتعمق الانقسام وتترسخ اقتصاديات الحرب والتدخلات الخارجية.
ولكي يصبح بناء الأمة مشروعاً واقعياً، ينبغي الاتفاق على عقد اجتماعي جديد يضمن المواطنة المتساوية، واللامركزية الدستورية، والعدالة في توزيع الموارد، واستقلال القضاء، ومهنية المؤسسات الأمنية، وحرية التنظيم السياسي، والتداول السلمي للسلطة.
كما ينبغي أن تُترجم هذه المبادئ إلى مؤسسات قابلة للمساءلة، وموازنات شفافة، وانتخابات حرة، وآليات واضحة لحل النزاعات بين مستويات الحكم، حتى لا تبقى اللامركزية مجرد شعار يُرفع في الاتفاقات ثم يُفرغ من مضمونه عند التطبيق.
إن السودان الذي يستحقه أبناؤه ليس وطناً يتوحد رغم إرادة شعوبه، بل وطناً تتوحد شعوبه بإرادتها؛ وليس دولة تفرض المركز على الأطراف، بل اتحاداً تتشارك أقاليمه في صناعة القرار والثروة والمستقبل.
إن إنهاء احتكار المركز للسلطة ليس تفكيكاً للوطن، بل فرصة لتأسيسه على قواعد أكثر عدلاً وصلابة. وإن تمكين المجتمعات المحلية ليس تهديداً للدولة، بل توسيع لقاعدتها الاجتماعية وتعزيز لشرعيتها. وإن تجاوز الأيديولوجيات الإقصائية ليس حرباً على الأفكار، بل انتصار لحق المواطنين في دولة لا يملكها حزب ولا قبيلة ولا جماعة.
قد يكون الطريق طويلاً، وقد تعترضه مصالح راسخة وتحديات أمنية واقتصادية وتدخلات خارجية، لكن بناء المستقبل يبدأ بالاعتراف بأن العودة إلى صيغ الحكم التي أنتجت الأزمات لن تصنع نتيجة مختلفة.
إن التحدي الأكبر أمام السودانيين ليس فقط إنهاء الحرب، بل إنهاء الشروط التي جعلت الحرب ممكنة ومتكررة؛ وليس فقط استعادة مؤسسات الدولة، بل بناء مؤسسات تستحق ثقة الناس وتحمي حقوقهم وتتيح لهم المشاركة في تقرير مصيرهم.
حين تصبح المواطنة أساس الحقوق، واللامركزية أساس الحكم، والعدالة أساس السلام، والإنتاج أساس الاقتصاد، والتنوع أساس القوة، يستطيع السودان أن يتحول من ساحة للصراعات الإقليمية والدولية إلى دولة فاعلة في محيطها، ومن وطن تتنازعه مراكز النفوذ إلى أمة تتشارك في بناء مستقبلها ذلك هو السودان الجديد دولة لا تحتكرها جماعة، ولا يُهمَّش فيها إقليم، ولا تُصادر فيها إرادة مجتمع، ولا تكون فيها الوحدة قيداً على الشعوب، بل ثمرةً للعدالة والحرية والمصالح المشتركة,




