
لم تكن الحرب في السودان مجرّد خلل في موازين القوة، ولا خلافاً على مقاعد السُلطة، كانت إعادة إنتاجٍ مكتملة لفلسفة مشروعٍ قديم أراد أن يحكم البلاد بالعقيدة لا بالعقل، وبالولآء لا بالكفاءة. الحرب الدائرة اليوم ليست صراعاً بين جيشين متنازعين بقدر ما هي حرب ضد الشعوب المحافظة، ضد ذاكرة الناس وهويتهم، وضد فكرة الدولة المدنية التي قاومت عبر عقود من السنوات مشروع الإسلام السياسي بأشكاله المتعددة.
ومنذ اندلاع القتال الأخير بين جيش البرهان وقوات الدعم السريع، بدت ملامح المشهد وكأنها إعادة بعث جديد لروح (التمكين) القديمة التي أسستها الحركة الإسلاموية في تسعينيات القرن الماضي. غير أن المشهد اليوم أكثر فجاجة ودموية؛ إذ انتقلت أدوات الحرب من الأيديولوجيا الفكرية إلى المُسيرات، من الخطاب الديني المتطرف إلى القصف الأعمى، ومن السيطرة على أجهزة الدولة إلى تفكيك المجتمع نفسه.!
لم يعد الإسلاميون في السودان يتحدثون عن دولة الشريعة ولا عن الحضارة الإسلامية (المزعومة)، بل يمارسون حرباً عنصرية لا تمت إلى الدين بصلة، حرباً تستهدف القبائل والأعيان والمناطق التي ما زالت تحتفظ ببقايا التماسك الاجتماعي. ما حدث لقبائل المجانين في كردفان والمهادي في دارفور من استهداف جوي ليس حادثاً معزولاً، بل نموذجاً متكرراً لطريقة تفكير تعتبر المجتمعات المستقله خطراً وجودياً على مشروع السلطة الدينية.!
لقد فشل مشروع الإسلام السياسي في إنتاج دولة محترمة، فاختار أن ينتج حرباً عبثية. وحين ذَبُلت كتائب الجهاد وتراجعت حشود المستنفرين التي كانت تُساق باسم ( الكرامة)، لجأ قادة المشروع إلى أدوات جديدة، منها الطيران المسيّر، والتحالف مع بقايا المؤسسة العسكرية المختطفة، المؤسسة التي باتت تبحث عن مبرر لبقائها. وهكذا تحوّل جيش الدولة إلى ذراع عقائدية تنفذ أجندة قوى سياسية فقدت رصيدها الشعبي لكنها ما تزال تملك السلاح.
إن أخطر ما في هذه الحرب الحالية أنها لم تُعد تدور حول الخرطوم أو دارفور او جبال النوبة فحسب، هي تدور حول روح المجتمع السوداني ذاته. وان الهدف لم يعد حول انتصارات عسكرية مفترضه، بل حول إعادة هندسة الولاءات القبلية، وإعادة تشكيل الوعي السياسي. الحرب الحالية، تهدف بشكل واضح إلى خلق مجتمعات مكسورة الارادة، فاقدة للمناعة الاجتماعية، وتدين بالولاء والطاعة لوكلاء المشروع (الإسلاموي) في البلاد.
في هذا السياق، تبدو حركة الإسلام السياسي وجيش البرهان كوجهين لعملة واحدة، كلاهما يسعى إلى إطالة أمد الحرب، وكلاهما يخشى عودة الوعي الشعبي الذي أطاح بهم عبر ثورة ديسمبر. الجيش الذي يفترض أن يحمي الناس بلا فرز أصبح اليوم أداةً لترويعهم وتشتيتهم، والقوى التي تدّعي حماية الدين والعرض، باتت تستخدمه لتبرير القتل والتجويع. إنها شراكة مُريبة بين السيف والمنبر، هدفها الأول ليس النصر كما يهتفون، بل إبقاء المجتمع في حالة ضعف وهزيمة دائمة.!
إن ما يجري في سودان اليوم هو عملية تصفية اجتماعية (ممنهجة)، يُراد بها أن لا تقوم قائمة لمجتمعٍ حرّ أو مستقل، فقط أن يُعاد تشكيله على مقاس الطاعة والولاء السياسي. وبهذا المعنى، لم تعد الحرب وسيلة، بل أصبحت غاية بحد ذاتها، غاية مشروعٍ فشل في بناء وطن جامع، فاختار أن يحرقه تماماً كي يبقى على أنقاضه.
لقد تحولت آليات الحركة الإسلاموية وجيش البرهان إلى (مخلب قط).. يعمل ببطءٍ ودهاء على تمزيق البنية الاجتماعية للسودان، وإنتاج مجتمعٍ مفككٍ يسهل إخضاعه. إنها حرب على المستقبل، لا على السلطة فحسب، حرب من أجل إبقاء السودان رهينة بين أنقاض مشروعٍ مات منذ زمان بعيد، لكنه يرفض أن يُدفن او يقبر.!




