
حليمة الصافي زندو
عندما أطلق أول رصاصة في 15 أبريل 2023 ليشعل النزاع المسلح في السودان، اعتقد زعيم سلطة بورتسودان أنه سيحسم المعركة في يومين، أو على الأكثر شهرين. ربما كان يظن أن التاريخ سيكتب له المجد بسرعة، وأن الشعب سيقف حائرًا بين رهبة الرصاص وأوهام الانتصار. لكن الواقع له مذاق آخر… الآن، ونحن ندخل العام الثالث من هذه المهزلة، لم يحقق البرهان أي انتصار حقيقي، بل تراكمت أمامه الخسائر، آخرها تحرير بارا والفاشر، اللذان دقّا آخر مسمار في نعش الفِلِنقايات وأسيادهم.
المفارقة هنا أن الرجل لا يملك الشجاعة للاعتراف بفشله، بل يواصل إلقاء اللوم على جهات خارجية وكأنها المذنبة الوحيدة، بينما يتجاهل تراكم الأخطاء الداخلية والقرارات المتسرعة والسلوكيات الإنكارية المستمرة. سياسة الإسقاط أصبحت أداته المفضلة لتغطية فشله، وتحولت إلى خطاب مرفوض في أي عقل سياسي ناضج.
أما الحديث عن استنفار شامل، وحالة طوارئ، وإغلاق المدارس والجامعات رداً على تحرير الفاشر وبارا وأم دم حاج أحمد وزريبة البرعي، فهو ليس بجديد، بل إعادة تدوير للإجراءات الهزيلة التي بدأ بها النزاع، وكأن العقل السياسي لديه نفاد مخزون من الحلول. كل هذا يعكس إفلاسًا في التفكير، وفقرًا عقليًا، وعوزًا سياسيًا صارخًا.
الهجوم الإعلامي الشرس على قوات تأسيس بعد تحرير الفاشر ليس إلا عدم تقبل الهزيمة الميدانية. بدأ بالإنكار، وصولاً للبكاء والعويل على منصات التواصل الاجتماعي، وطلب الشفقة من العالم، من نفس الأصوات التي رفضت التفاوض ورفعت شعار “بل بس” لأخر جنجويدي. وعندما وقع البلاء في النهاية… رفضوا الاعتراف بنتيجته.
درسنا من منهجية الإخوان المسلمين وأدواتهم العسكرية وتنظيماتهم الجهادية أن ارتكاب المجازر والإبادات الجماعية بحق المدنيين هو جزء من استراتيجية دنيئة، يلصقونها دائمًا بالمعسكر المعادي لهم، لإخفاء فشلهم وإبراز العنف كأداة سياسية. لذلك، كل الروايات التي تسوقها سلطة بورتسودان وإعلامها المحلي والإقليمي حول ارتكاب قوات تأسيس هذه المجازر، تحتاج إلى تحقيقات دولية مستقلة، شفافة ومحايدة، بعيدًا عن خطاب الدعاية السياسية.
في النهاية، المشهد كله يبدو وكأنه مسرحية مأساوية: قائد يعتقد أن البندقية تصنع المجد، وأصوات تبكي على منصات التواصل، بينما الشعب يعاني ويتطلع إلى الحقائق والعدالة والمساءلة الحقيقية. وعليه، على العالم أن ينظر بحذر، لا إلى ادعاءات البروباغندا، بل إلى نتائج المعارك على الأرض وحماية المدنيين، لأن كل تصريح مضلل هو محاولة لإعادة تدوير الكارثة وإخفاء الفشل المتكرر.
السودان اليوم يحتاج وعيًا، شجاعة، وعدالة حقيقية، لا إلى وهم الانتصارات السريعة أو أكاذيب الإعلام. أما البلابسة و”بل بس” ورفاقه… فليتذكروا أن التاريخ لا يرحم الكاذبين، وأن الزمن قد كتب بالفعل فصلاً جديدًا باسم الشعب والثورة، وليس باسم البنادق والخدع السياسية.




