
أ. عبد الناصر آدم حمزة (ود الشهيد)
لا شك أن القضاء، كإحدى السلطات الثلاث في الدولة، يمثل ركيزة أساسية لحماية حقوق الناس وكراماتهم، ولإحقاق الحق بين المتقاضين بتجرد وحياد دون محاباة لأي طرف. من وظائفه الأساسية تطبيق روح القانون، ورفع الظلم عن كاهل المظلومين، وردع المجرمين بعقوبة مناسبة تتناسب مع الجريمة، وصولاً إلى تحقيق العدالة المنشودة.
غير أن ما شهدناه بعد اندلاع حرب 15 أبريل، التي أطلت بوجهها الدموي على السودان من خلال هجوم جيش الحركة اللا إسلامية ومن ثم تعاظم حالة الانقسام والتشتت، كشف جانبا مظلما في أداء القضاء. فبدلاً من أن يكون القضاء منارة للحق والحياد، تحولت بعض محاكمه في مناطق سيطرة الجيش إلى أدوات سياسية تُستغل لتمرير أحكام انتقامية وتصفية حسابات. وحين يتحول القاضي إلى أداة إعلامية أو تنفيذية، تتبدد أهمية القاضي كحكم مستقل، وتنكسر ميزان العدالة لصالح السلطة.
استخدمت في هذه المحاكم تهمة “التعاون” كمظلة فضفاضة لتبرير الملاحقات والمحاكمات السياسية. هذا المصطلح الواسع سمح بتوسيع دائرة المشتبه فيهم بصورة تعسفية، فبات معيار الاتهام يَتقيد بالوجود الجغرافي للمتهم داخل أو خارج مناطق سيطرة أحد الأطراف، لا بوقائع مثبتة أو أدلة قانونية محكمة. وفي كثير من القضايا حُرم المتهمون من أبسط حقوق الدفاع، من تقديم دفوع قانونية أو استدعاء شهود، لأن الفرضية الأساسية عند القضاة كانت معرفة مكان تواجد الشخص أثناء الحرب لا غير.
نماذج المحاكمات المعيبة كثيرة، ومن بينها محاكمة الأستاذ أبوبكر منصور بمدينة سنجة التي كشفت بوضوح كيف يمكن للعدالة أن تُستغل لتبرير سياسات القمع. كما أن براءة عناصر مثل كي‑كيل وكتائب البراء، مقابل أحكام قاسية صدرت ضد آخرين بزعم التعاون، يرسم صورة قاتمة عن معايير تطبيق القانون. عندما تُرفع العصا على بعض المتهمين وتُخفّف عن آخرين بحجة الانتماء أو الولاء، تتحول المحكمة من مرآة للحق إلى مسرح للانتقام السياسي.
إن تسيس القضاء يؤدي إلى نتيجتين كارثيتين: الأولى فقدان ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، والثانية تعزيز مناخ الإفلات من العقاب للفئات المهيمنة. وفي ظل غياب مساءلة حقيقية ومساءلة قضائية نزيهة، يتعاظم الشعور بالظلم وتتعاظم آفة الانقسام الاجتماعي والسياسي، وهو ما ينعكس سلباً على جهود إعادة بناء الدولة وتحقيق الاستقرار.
الطريق الذي يعيد للقضاء هيبته يمر عبر مجموعة من الخطوات الحاسمة: ضمان استقلال القضاء فعلياً لا شكلياً، توفير حماية للقضاة من الضغوط السياسية، تفعيل آليات الشفافية والمساءلة داخل المؤسسات القضائية، وإلغاء أي محاكم شكلية أو طوارئ تُنظم خارج الأطر الدستورية. كما يجب أن تكون المعايير الجنائية واضحة ومحددة، وأن تُبنى الإدانات على أدلة ملموسة وإجراءات قانونية تحفظ حق الدفاع.
في غياب هذه الإصلاحات، ستظل المحاكم أداة لشرعنة الظلم، وسيبقى المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر. لأن العدالة ليست مجرد شعارات أو نصوص دستورية، بل ممارسات يومية تضمن أن يكون القانون سيفاً لحماية الحقوق لا مطية لتصفية الحسابات.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.



