
هاشم طيار
لا تزال العلاقة بين المركز والهامش في السودان محكومة بظل كثيف من تاريخ طويل من التراتب والهيمنة، يذكّرنا بعلاقة السيد والمولى في العصور القديمة، وإن ارتدت أدواتها اليوم ثوب الحداثة والدولة الحديثة. فما تغيّر هو الشكل، أما جوهر الفكرة، فهو قائم في تفاصيل الواقع السياسي والاجتماعي، حيث ترى فئة نفسها مركز الفضل والعقل، بينما تُعامل الأخرى كهامش يدور في فلكها.
هذه الثنائية ليست وليدة اللحظة، بل نتاج طبيعي لإخفاق الدولة السودانية منذ الاستقلال في ترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية كأساس للشرعية. فالدولة ورثت نخبة تحكم بالهوية لا بالقانون، وبالامتياز لا بالمساواة، مما أدى إلى انهيار دولة المواطنة وإعادة إنتاج منظومة تبعية تشبه علاقة المولى بسيده، حيث يكون رزق الفرد ومكانته وأمانه رهين رضى المركز.
اليوم، ورغم انتهاء الرق المادي، يبقى الهامش رهين المركز في مجالات التنمية والتعليم والتمثيل السياسي، بل وحتى في صورته أمام الإعلام. المركز هو الذي يقرر من يستحق التنمية ومن يُعاقَب بالإهمال، ومن يُكرّم تمثيلياً على موائد السياسة. العطايا تحولت إلى موازنات ومشروعات وخدمات، والولاء الشخصي إلى ولاء حزبي أو إداري، لكن المبدأ ظل واحداً: يعيش الهامش في انتظار الاعتراف، ويُكافأ المطيع ويُقصى الناقد، ويُمنح الأذكى مكانًا في السلطة بشرط ألا يهز بنية الامتياز التاريخي للمركز.
غير أن روح الزمن تغيّرت. الهامش لم يعد ساكنًا ولا يقبل إدارة عقل الوصاية القديمة. فقد أنتج وعياً جديداً بنفسه، من خلال حركاته المسلحة وثقافته، ومن خلال نخبه التي تجاوزت خطاب الاستعطاف إلى خطاب الندية وإعادة التأسيس الوطني. أصبح السؤال اليوم ليس “ماذا يمنحنا المركز؟” بل “كيف نبني دولة لا مركز فيها ولا موالي، دولة يكون فيها المواطن سيد نفسه، لا تابعاً لجهة أو نسب أو طبقة أو موقع جغرافي”.
أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الحرب وحدها، بل استمرار هذا الوعي الطبقي الذي يعيد إنتاج علاقات السيد والمولى في ثياب السياسة والبيروقراطية والاقتصاد والإعلام. ولن ينهض الوطن إلا بكسر هذا الإرث غير المعلن، وإقامة عقد جديد أساسه العدالة في الموارد، والمساواة في الكرامة، وتوزيع السلطة كحق، لا كمنحة.
فما بين المركز والهامش، يجب أن تتحوّل المسافة من مسافة السيد والمولى إلى مسافة الوطن الواحد، المتساوي في الحقوق والمصير. ويستلزم ذلك تحييد مؤسسات الدولة عن الولاءات الجهوية والدينية والقبلية والإيديولوجية، وترسيخ التنوع كقيمة وطنية، وإدماجه في الثقافة والتعليم والإعلام.
السودان اليوم بحاجة إلى مراجعة بنيوية لتوزيع القوة والثروة والتمثيل، ليصبح كل مواطن فاعلاً في صناعة مستقبله، وليس مجرد هامش في انتظار رحمة المركز، وهكذا فقط يمكن أن تُبنى دولة المواطنة الحقيقية، دولة العدالة والمساواة التي يحلم بها كل سوداني.




