رأي

مصر وذريعة المسيّرات: قراءة في قلقٍ متأخر ومحاولة إنقاذ جيشٍ ينهار

خضر كوة

 

خضر كــوة

خرجت القاهرة في الأيام الماضية بلهجة تصعيدية تتحدث عن اقتراب مسيّرات قوات الدعم السريع من حدودها، مؤكدة أنها “لن تتهاون” في حماية أمنها القومي.

لكنّ هذا التصعيد لا يرتبط بتطور عسكري جديد، بقدر ما يعكس القلق العميق من الانهيار المتسارع للجيش السوداني الذي تراهن عليه مصر منذ بداية الحرب.

وجود الدعم السريع في المثلث الحدودي ليس أمرًا طارئًا، بل واقع مستمر منذ أكثر من عام دون تسجيل أي تهديد مباشر لمصر. فما الذي اختلف الآن؟

الاختلاف هو أن الجيش السوداني – جيش الحركة الإسلامية – فقد قدرته على التماسك، وتراجعت سيطرته على مناطق كان يحتفظ بها بدعم مصري، ما جعل القاهرة تبحث عن مبرر سياسي وإعلامي لزيادة تدخلها أو رفع مستوى دعمها العسكري.

الجيش الذي تبني عليه مصر حساباتها يعاني اليوم من أزمة عميقة: انهيار خطوط الإمداد، فقدان مناطق حيوية، تراجع معنويات الجنود، وانقسامات داخلية واضحة. لقد انتقل من قوة تحاول القاهرة إبقاءها في السلطة إلى مؤسسة تحتاج من يحميها، لا من تُحمي غيرها.

خطاب “الأمن القومي” ليس سوى غطاء للبحث عن ذريعة. فالقاهرة تدرك جيدًا أن الدعم السريع لم يهاجمها، لكن تصويره كتهديد يمنحها فرصة لتبرير تدخل أكبر في الصراع السوداني، أو دعم جيش الحركة الإسلامية باسم حماية الحدود.

غير أن أي تدخل مصري مباشر لن يكون خطوة محسوبة، بل بداية حرب إقليمية مفتوحة تتداخل فيها قوى دولية وإقليمية، وستستنزف مصر سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا—وهي كلفة لا تستطيع تحملها في هذه المرحلة.

الرسالة التي ينبغي أن تفهمها القاهرة واضحة:

التهديدات ليست دليل قوة، بل دليل على فقدان الرهان.

فالجيش الذي تعتمد عليه مصر ينهار أمام عينيها، والخطر الحقيقي ليس “المسيّرات”، بل خسارة نفوذها داخل السودان.

ما تحتاجه مصر اليوم ليس حربًا جديدة، بل مراجعة إستراتيجية تُبعدها عن مشروع الحركة الإسلامية الذي صنع الحرب وهدد المنطقة كلها.

أما الاعتقاد بأن التدخل سيغيّر مسار المعركة، فليس سوى وهم آخر… فالسودانيون لم يُهزموا يومًا في أرضهم، ولن يكون اليوم استثناءً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!