رأي

التحالف النوبي الكوشي… طريقٌ نحو سودانٍ جديد

د.يعقوب آدم عبدالشافع

 

 د. يعقوب آدم عبدالشافع

يمثل حضور النوبة في سفوح جبال كردفان ودارفور إحدى الحقائق التاريخية الراسخة التي تشهد على قدرة هذه المجتمعات على الصمود والمحافظة على هويتها عبر آلاف السنين. فمنذ أن نزحت سلالات كوش بن حام بن نوح—وفق المرويات التاريخية—من مناطق الجيزة وجنوب مصر وما حول ضفاف النيل حتى نطاقات واسعة تمتد إلى يوغندا، أخذت تلك الجماعات تتجمع فوق المرتفعات لتجعل منها موطنها الآمن وفضاءها الطبيعي الذي حفظ تماسكها عبر الزمن.

وتشير المصادر إلى أن النوبة بلغوا الجبال في محطات تاريخية متعددة: فمع أحداث المواجهة بين فرعون والنبي موسى عام 1279 ق.م، وما تبعها من تهديدات، اختارت بعض المجموعات النزوح جنوبًا. ثم عاد التاريخ ليدفعهم نحو المرتفعات مرة أخرى مع زحف المسيحية نحو السودان في القرن السادس الميلادي. وفي عام 652م، ومع دخول الإسلام إلى المنطقة، توطدت صلات النوبة بالجبال التي غدت ملاذًا يحمي استقلالهم واستقرارهم. واستمر هذا النسق حتى العهد التركي عام 1821م، حيث واجه النوبة الحكم الأجنبي بتحالفات قوية أبرزها تحالفهم مع الثورة المهدية بقيادة المك آدم أم ديالو.

وخلال الحكم البريطاني عام 1898م، استُغلت قدرات النوبة في “قوة دفاع السودان”، ثم تواصل استغلالهم بعد الاستقلال عام 1956م، حين احتكرت أقلية مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي، بينما دُفع بالنوبة إلى مواقع شاقة في الجيش والشرطة والأمن، وظل وجودهم في الخدمة المدنية محدودًا، واستقر كثير منهم في أطراف المدن العشوائية والكنابو بلا خدمات أساسية.

ورغم التحديات، برزت إرادة النوبة في التعبير عن مطالبهم من وقت مبكر؛ إذ أسسوا عام 1965م حركة الحقوق الوطنية، في إطار نضالٍ أكبر لتحرير السودان من قبضة الأقلية المحتكرة لمصادر الثروة والسلطة والتنمية. واليوم، وبعد تراكم طويل من الأزمات واشتداد الحاجة إلى إعادة صياغة المشروع الوطني السوداني، فإن دعوة تجديد التحالف النوبي الكوشي تبدو ضرورة تاريخية أكثر من كونها خيارًا اجتماعيًا أو سياسيًا.

إن القادة النوبة—عبدالعزيز الحلو، وكباشي، وكبرون، وأردول، وزحقود—يقفون أمام لحظة فارقة، تستوجب تقديم تنازلات كبرى لصالح أهلهم ووطنهم، ودفع مسار الوفاق بعيدًا عن الخطاب القائم على اللوم والعتاب والتجريم. فالسودان الجديد لا يمكن أن يُبنى إلا عبر قيم العفو والتسامح وتجاوز الصغائر لمواجهة التحديات الكبرى.

ويستند هذا التحالف إلى رؤية واضحة تهدف إلى إزالة الاستعلاء الاجتماعي والثقافي، وإنهاء الإقصاء السياسي والفكري، ورفع الاحتكار الاقتصادي والإعلامي، ومعالجة الدونية الممارسة ضد النوبة في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، إضافة إلى التصدي للتهميش الشامل على أساس العرق والجهة. فالحقوق لا تُنتزع إلا بوحدة الرؤية، والواجبات لا تُؤدى إلا في ظل دولة عادلة تحتكم إلى القانون وتفتح أبوابها للجميع بلا تمييز.

إن إعادة بناء التحالف النوبي ليست محاولة لإحياء الماضي أو اجتراره، بل خطوة لتأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على مشاركة حقيقية في صنع المستقبل. فتحالف اليوم يجب أن يكون أوسع وأشمل من تحالف الأمس، وأن يستوعب التجارب الصالحة والقيم السامية، وأن يصوغ مشروعًا وطنيًا جامعًا يُعيد للسودان هيبته وقدرته على حماية كرامة مواطنيه كافة.

ومن هذا المنظور، فإن التحالف النوبي الكوشي العريض يمكن أن يشكل قاعدة انطلاق لتأسيس الولايات المتحدة السودانية—دولة المساواة والعدالة والحقوق المتوازنة. دولة تستند إلى تاريخ عريق، وتتجه بثقة نحو مستقبل أفضل. وإن ذلك على الله ليس ببعيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!