
علي سانتينو
لقد ارتكب جنوب السودان حماقة سياسية موصومة بالعار، حماقة لا تليق بدولة دفع شعبها أثمان الاستقلال بالدم والدموع. ما تقوم به سلطات الجنوب من استقبال لهاربين من جيش البرهان ليس عملاً إنسانياً ولا موقفاً أخلاقياً، هو السقوط ذاته في حفرة الماساة وانتكاسة في الذاكرة. إن فتح الحدود أمام من حملوا السلاح في وجه الجنوبيين أربعبين عاماً، فاغتصبوا وأحرقوا، وداسوا على إنسانيتهم، هو موقف لا يُفسّر إلا بضعف الإرادة السياسية وضياع في البوصلة. الغريب هو أن العقول المريضة التي قررت ابادة الجنوبيين بالأمس تمسي ضيف الشرف اليوم؟ وان السلطات التي قررت استقبال من كانوا يرون الجنوبي غنيمة حرب هي سلطة تتغاضى عن أن هؤلاء ليسوا نازحين أبرياء بل ذئاب تلطخت بالدم وتلوثت بالجريمة! يستقبل الجنوب اليوم فلول الجيش الذين يتكدسون على الحدود، وبينهم متطرفون عقائديون تربّوا على كراهية الجنوب، هؤلاء لم يتوبوا عن جرائمهم، ولم يُحاسَبوا عليها أصلاً. فكيف تُفتح لهم الأبواب وكأن الأرض التي سفكوا دماء أهلها أصبحت فجأة حضناً دافئاً.. هل انتهى رصيد الاستفزاز؟ أم أن الذاكرة الجنوبية لم تتجاوز شهراً واحداً من التقويم السياسي؟
لقد كان لهؤلاء المهزومون لحظات يرفعون راية الجهاد وهم يقتحمون القرى الجنوبية، يهلهلون حين تُمتهن كرامة النساء، ويضحكون حين تشتعل أجساد الأطفال. كانوا يتعاملون مع الجنوبيين كأنهم أعداء الله في الارض، واليوم تريد السلطة في جوبا أن تقنع العالم بأنهم مجرد فارين من الحرب، اي استهتار هذا بمشاعر من دفنوا أبناءهم بأيديهم؟ من فروا من حقل هجليج تحديداً هم الفئة الأخطر على الاطلاق، هم الكتائب التي كانت تحمي شريان الحياة للتنظيم الإرهابي الذي كان يحكم السودان بالسيف. هم قلب المشروع الذي بنى مجده على النفط المسروق من الجنوب وعلى جماجم اهل الجنوب. هل تدخلهم السلطات الآن إلى بيوت الجنوبيين وتسقيهم الماء البارد؟ ام نعيدهم إلى الحياة الطبيعية وكأنهم لم يكونوا أدوات اقتصاد مبني على القتل والتخريب؟ ما يحدث من تصرف للسلطات في جوبا ليست حكمة دبلماسية؛ بقدر ماهو انبطاح مخزٍ أمام بقايا دولة القمع والاستبداد، وتحالف غير معلن مع ذكرى الاستعمار القومي الذي خنق الجنوب لعقود من السنوات. أن يتم استقبال المجرمين هكذا بلا تحقيق، فهذا يعني أن جوبا تفتح الباب لعودة الرعب الذي ظن الكثيرين أنه دفنه إلى الأبد! وهي مقامرة حمقاء ستجعل الجنوب مسرحاً جديداً للتطرف والفوضى. هل تظن سلطات الرئيس كير أن الذئب يتحول إلى حمل إذا عبر الحدود؟ أم تظن أن جراح الشعب تُشفى بمصافحة الجلاد؟
وإذا لم يتم التصدي لهذا الانحدار السياسي، فإن البدايات ستكون مخيمات عادية والنهـايات ستكون خلايا مسلحة، ومدن تعود إلى زمن الخوف. على قادة الجنوب أن يسمعوا هذه الكلمات جيداً: أنتم لا تستقبلون لاجئين بقدر ما تستقبلون لعنة متحركة عندما تسمحون بدخول التاريخ الأسود إلى حاضر بلد لم تتوقف ندوبه عن النزف حتى لحظة احتماء الجلاد بالضحية، وبهذا التصرف أنتم تسحقون كرامة من فقدوا الأهل والأرض، وتقولون لهم اصمتوا.. فان القاتل ضيفا علينا!
أي منطق يفكر به ربيب البشير توت قلواك، وأي وقيم يبرّر حماية من يهرب من العدالة. لا توجد قوة في العالم تستطيع إزالة وصمة دم واحدة سالت على أرض الجنوب، فلماذا تستخدمون ذاكرة الناس كخرقة تمسحون بها أقدام الهاربين من الخراب؟ وإذا لم تُكشر جوبا أنيابها في وجه كل قاتل يطرق الحدود، فإن ما ينتظر الجنوب أسوأ بكثير مما ذاقه في الماضي. الجنوب لم يتحرر ليصبح مكبّاً لبقايا الجيوش الفاسدة وفلول الارهابيين. ولم ياخذ استقلاله لكي يبتلع من الذلّ والهوان . فإما أن يكون الجنوب دولة تقطع يد الجلاد الذي عاث في الارض فسادا أو سيصبح مسرحًا جديدًا لدهس الكرامة وعودة الذبح والدموع!
وإن لم تتحرك القيادة السياسية في جوبا اليوم قبل الغد، ستكون المتهم الأول أمام محاكم الشعب والتاريخ. وسيسألهم الجنوبيون يوماً متى أدخلتم القتلة إلى الدار الحُرة، ولماذا ساومتم بدماء الشهداء من ابناء الجنوب، ولماذا خنتم عهد الوطن الذي بُني على أجساد الذين لم يجدوا حتى قبوراً لائقة؟ وكيف تفتح حدود الجنوب لتصبح معبراً لعودة الكراهية التي هروا منها؟ إن أي قائد يمنح مجرم حرب فرصة جديدة لالتقاط أنفاسه، هو شريك كامل في كل دمعة سقطت سابقا، واخرى ستسقط لاحقاً، وكل صرخة ألم ستخرج من حنجرة أم فقدت ابنها مرة أخرى. سيأتي يوم يُحاسَب فيه كل مسؤول على التفريط، لأن الشعوب قد تصبر، وقد تُمنح آمالاً زائفة لكنها لا تنسى!
فليكن واضحاً ان الجنوب الذي واجه المدافع، وهزم القمع، وانتزع استقلاله رغم أنف العالم لن يقبل أن يعيش خادماً لجلادي الأمس. وإذا ظنت السلطات في جوبا أن الشعب سيصمت عن إعادة تدوير الذلّ، فإنها ترتكب خطأً يفوق كل أخطائها. لأن شعوب الجنوب التي تعلّمت القتال من أجل الوجود، قادرة على مواجهة كل من يساوم على كرامتها سواء كان عدواً قديماً أو حاكماً أعمى. فإما أن تكونوا مع شعوب الجنوب أو تكونوا مع من أرادوا له الفناء ولا توجد منطقة رمادية في معركة المصير.




