
أبو عبدالله الراشدي
لم تكن ثورة ديسمبر مجرد هبة غضب عابرة، ولا انفجارًا اجتماعيًا فرضته الأزمات الاقتصادية وحدها، بل كانت لحظة تاريخية فارقة بلغ فيها الوعي الشعبي السوداني ذروته. لحظة أدرك فيها الناس أن المشكلة لم تكن في غلاء الخبز فقط، بل في منظومة كاملة من الاستبداد، اختطفت الدولة، وصادرت السياسة، واستباحت الدين، وأفرغت الوطن من معناه.
خرج السودانيون في ديسمبر وهم يعرفون تمامًا ما يريدون: دولة لا تُدار بالهوس الديني، ولا تُحكم ببيانات العسكر، ولا تُختطف باسم الأمن أو الشريعة أو الضرورة. خرجوا ليقولوا إن الكرامة ليست منحة، وإن الحرية ليست رفاهًا، وإن العدالة ليست شعارًا يُرفع ثم يُنسى.
كانت ديسمبر ثورة أخلاقية قبل أن تكون سياسية. كسرت الخوف، وفضحت كذبة “الاستقرار” الذي بُني على القمع، وأسقطت قداسة الجماعات التي احتكرت الحديث باسم الله، وشرعنت الفساد، وكمّمت الأفواه. ولهذا لم تغفر لها قوى الردة، لأنها جرّدتها من سلاحها الأخطر: تزييف الوعي.
حين انقلبوا على الثورة، لم ينقلبوا على حكومة، بل على حلم شعب. وحين أشعلوا الحرب، لم يفعلوا ذلك دفاعًا عن وطن، بل محاولةً يائسة لدفن ديسمبر تحت الركام. لكنهم أخطأوا الحساب، لأن الشعوب قد تُهزم مؤقتًا، لكنها لا تنسى، ولا تُخدع مرتين.
لقد أثبتت التجربة أن لا مستقبل للسودان مع جماعات الهوس الديني، ولا مع تحالف العسكر والاستبداد. أثبتت أن الدين بريء من ممارساتهم، وأن الدولة لا تُبنى بالفتاوى، بل بالمواطنة، ولا تُدار بالعقيدة الحزبية، بل بالقانون.
الدولة المدنية التي نادت بها ديسمبر ليست شعارًا نخبويًا، بل شرط حياة. دولة يتساوى فيها الجميع، ويعود فيها الجيش إلى ثكناته، وتُفصل فيها السياسة عن القداسة، ويُفتح فيها باب العدالة دون مواربة أو صفقات.
العدالة ليست انتقامًا، بل أساس الاستقرار. ومن دون محاسبة حقيقية، ستظل البلاد تدور في حلقة الدم والانقلابات. لهذا فإن أي حديث عن مستقبل بلا عدالة هو إعادة إنتاج للأزمة نفسها.
ديسمبر اليوم لم تعد مجرد ذكرى، بل وعيًا متجذرًا، وفكرةً حية، ترفض العودة إلى ليل الاستبداد، مهما طال. قد تتغير الأدوات، وقد تتبدل الوجوه، لكن الحقيقة ثابتة: هذا الشعب قال كلمته، ولا رجعة عنها.
المجد لثورة ديسمبر
والسودان… لن يُحكم إلا بإرادة شعبه




