لا يوجد في القوانين الدولية ما يبرر التدخل المصري في شؤون السودان؛ على مصر الباشوية أن تفيق من غفوتها
د. مجدي شريف؛ خبير امني واستراتيجي

د. مجدي شريف؛ خبير امني واستراتيجي
يمثل بيان الرئاسة المصرية الذي صدر عقب زيارة البرهان امس الاول نموذجًا صارخًا للخلط المتعمد بين مفاهيم الأمن القومي والسيادة الوطنية للدول، ويعكس نزعة وصائية قديمة تجاه السودان، لا تجد لها سندًا لا في قواعد القانون الدولي المعاصر، ولا في منظومة العلاقات الدولية الحديثة التي تقوم – نظريًا وعمليًا – على مبدأ المساواة السيادية بين الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
أول ما يلفت النظر في البيان هو استخدام لغة توحي بأن السودان ساحة أمنية مصرية ممتدة، وأن ما يجري داخله شأن يخضع لتقديرات القاهرة وخطوطها الحمراء. هذا المنطق يتعارض تعارضًا جوهريًا مع المادة الثانية (الفقرة 1 و7) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تؤكد على سيادة الدول وعدم جواز تدخل أي دولة في الشؤون التي تمثل صميم الولاية الداخلية لدولة أخرى، مهما كانت الذرائع المرفوعة، بما في ذلك ذرائع “الأمن القومي”.
أولًا: انتهاك واضح لمبدأ السيادة الوطنية
البيان المصري لا يكتفي بإبداء موقف سياسي أو دبلوماسي، بل يتجاوز ذلك إلى تحديد ما يجوز وما لا يجوز داخل السودان، ويرسم خطوطًا حمراء تتعلق بوحدة أراضيه، وبطبيعة الكيانات السياسية الممكنة فيه، وبمستقبل مؤسساته. هذا الخطاب لا يمكن توصيفه إلا باعتباره تدخلًا مباشرًا في الشأن السيادي السوداني، لأن تقرير وحدة الدولة، وشكل الحكم، وترتيباتها الداخلية، هو حق حصري للشعب السوداني وحده، يمارسه عبر آلياته الوطنية، وليس عبر إملاءات خارجية، أياً كان مصدرها. فالقانون الدولي لا يمنح أي دولة، مهما كانت جغرافيتها أو ثقلها، حق فرض “وصاية أمنية” على دولة جارة. بل إن محكمة العدل الدولية أكدت مرارًا أن المخاوف الأمنية لا تشكل بحد ذاتها مبررًا مشروعًا لانتهاك سيادة دولة أخرى أو التدخل في خياراتها الداخلية.
ثانيًا: اتفاقية الدفاع المشترك… استدعاء نص ميت
يستند الخطاب المصري، ضمنيًا أو صراحة، إلى اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي الموقعة عهد الراحل جعفر نميري إبان التكامل الثلاثي ( السودان ، ليبيا ، مصر) غير أن هذا الاستناد يعاني من إشكاليات قانونية جوهرية. فالاتفاقية، من حيث الواقع السياسي والقانوني، فقدت شروط سريانها الفعلي منذ عقود، نتيجة تغير الأنظمة، وتبدل طبيعة التهديدات، وغياب أي آليات تنفيذية متفق عليها وفعالة.
الأهم من ذلك، أن اتفاقيات الدفاع المشترك – حتى حين تكون سارية – لا تمنح أي طرف حق التدخل المنفرد في الشؤون الداخلية للطرف الآخر، ولا تخوله فرض رؤيته السياسية أو الأمنية عليه. هي اتفاقيات تقوم على الطلب الصريح، والموافقة الواضحة، والتفعيل الجماعي، وليس على الإملاء أو الافتراض أو الاستعلاء. وبالتالي، فإن استخدام هذه الاتفاقية كغطاء سياسي أو أخلاقي للتدخل في الشأن السوداني لا يعدو كونه توظيفًا انتقائيًا لنص قانوني منتهي الصلاحية السياسية
ثالثًا: الأمن القومي ليس رخصة للتدخل
لا يوجد في القانون الدولي، لا عرفًا ولا نصًا، ما يجيز لدولة ما التدخل في شؤون دولة أخرى بحجة الحفاظ على أمنها القومي. مفهوم الأمن القومي، في الإطار الدولي، يظل مفهومًا دفاعيًا داخليًا، لا يتحول إلى أداة مشروعة لانتهاك سيادة الغير إلا في حالات استثنائية ضيقة جدًا، مثل الدفاع الشرعي عن النفس ضد هجوم مسلح مباشر وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما لا ينطبق على الحالة السودانية بأي حال.
أما الحديث عن “كيانات موازية” أو “تفكك الدولة” أو “تهديد الاستقرار”، فهو توصيف سياسي، وليس أساسًا قانونيًا للتدخل. معالجة هذه القضايا الداخلية، تتم عبر الإرادة الشعبية السودانية، وان نظام الحكم في السودان طبيعته تعتبر حق حصر للسودانيين.
رابعًا: لغة التعالي وإرث العقلية الباشوية
أخطر ما في البيان ليس فقط مضمونه، بل لغته. لغة تنضح بتعالٍ سياسي وأخلاقي، وتعيد إنتاج عقلية ”الوصي الحصري”، وكأن السودان لا يزال مجالًا حيويًا تابعًا لها، لا دولة مستقلة كاملة السيادة منذ عام 1956.
هذا الخطاب لا يسيء فقط إلى السودان، بل يسيء إلى مصر نفسها، لأنه يضعها في موقع الدولة التي لم تستوعب بعد تحولات النظام الدولي، ولا حقيقة أن زمن الباشويات السياسية قد ولى بلا رجعة. الدول اليوم تُقاس باحترامها للقانون الدولي، لا بقدرتها على إطلاق البيانات ورفع العصا الخطابية.
اخير؛ إن البيان المصري، بصيغته ومضامينه، لا يجد له سندًا في القانون الدولي، ولا في اتفاقيات الدفاع المشترك، ولا في مبادئ حسن الجوار. هو بيان يعكس أزمة تصور أكثر مما يعكس رؤية استراتيجية رشيدة. والسودان، مهما اشتدت أزمته، يظل دولة ذات سيادة، لا ساحة مستباحة ولا ملفًا أمنيًا ملحقًا بدولة أخرى.
على مصر الباشوية أن تفيق من أوهام الوصاية، وأن تدرك أن احترام سيادة السودان ليس مجاملة سياسية، بل التزام قانوني وأخلاقي، وأن أي استقرار حقيقي في الإقليم لا يُبنى بالخطوط الحمراء واللغة المتعالية، بل بالاحترام المتبادل، وعدم التدخل، والاحتكام الصادق لقواعد القانون الدولي.




