
أبو عبدالله الراشدي
مرة أخرى، تذهب دماء الأبرياء في دارفور هدراً، في حين يظل العالم صامتًا تجاه المجازر المستمرة ضد المدنيين. الهجوم الجوي الأخير على منطقتي الزُرُق وغرِّير في شمال دارفور، والذي أودى بحياة عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، يمثل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات المنهجية التي يتعرض لها السكان العزل.
القصف لم يستهدف مقاتلين أو مواقع عسكرية، بل استهدف القرى الآمنة، الأسواق، والمستشفيات، في تصرف يندرج بوضوح تحت تعريف جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي. ما حدث في سوق غرِّير، حيث أُحرق بالكامل وقتل العشرات، وما حدث في مستشفى الزُرُق، حيث فقد المرضى والكوادر الطبية حياتهم، يعكس مستوى غير مسبوق من الهمجية والعنف الممنهج.
ما يزيد الأزمة تعقيدًا هو صمت المجتمع الدولي والمنظمات الأممية ومجلس حقوق الإنسان. هذا الصمت لم يعد مجرد حياد، بل تحول إلى تواطؤ غير مباشر مع الجرائم المرتكبة ضد المدنيين. الإفلات من العقاب يشجع الأطراف المعتدية على التمادي، ويخلق بيئة خصبة لمزيد من الانتهاكات ضد المدنيين العزل.
إن مطالبة دارفور بالسلام والعدالة لم تعد خيارًا، بل واجب أخلاقي وإنساني على كل من يدعي الحرص على القانون الدولي وحقوق الإنسان. من الضروري أن يتم فتح تحقيق دولي مستقل وعاجل، وأن يُحاسب كل من أصدر ونفذ أوامر القصف، مع فرض إجراءات رادعة لحماية المدنيين ووقف استخدام الطيران الحربي ضد السكان.
إن دماء الأبرياء لن تسقط بالتقادم، ولن تُغطيها بيانات رسمية باردة أو تجاهل دولي. العدالة والمساءلة مسؤولية عاجلة، ويجب أن تُترجم إلى أفعال حقيقية قبل أن تتحول دارفور إلى مقبرة جماعية لا يذكرها أحد إلا في تقارير مكتوبة على الورق.
دارفور اليوم بحاجة إلى الالتفاف الدولي حول حماية المدنيين، والضغط على الأطراف المعتدية لوقف العنف فورًا. وإلا، فإن كل يوم يمر يشهد مزيدًا من الدماء والخراب، فيما العالم يراقب، صامتًا، وهو يشجع عن غير قصد على استمرار دورة العنف التي لا تنتهي.




