رأي

حين يتأخر الوطن… ينهض الأفراد

سهيبة مريش .. نيالا

 

 سهيبة مريش.. نيالا 

في لحظات الأزمات الكبرى، يميل الناس إلى الانتظار. ننتظر قرارات من فوق، أو معجزات من الخارج، أو وجوهًا جديدة تحمل إلينا الخلاص. نعلّق آمالنا على الحكومات، والقادة، والمؤسسات، وكأن التغيير فعلٌ مؤجل لا يحدث إلا بإشارة رسمية. لكن التجربة الإنسانية، قديمها وحديثها، تقول لنا حقيقة مختلفة: التغيير الحقيقي لا يبدأ من القمم، بل من القواعد، لا يولد في المكاتب المغلقة، بل في ضمير الفرد وإرادته.

إن المسؤولية الفردية ليست شعارًا أخلاقيًا فقط، بل شرطًا أساسيًا لأي تحول حقيقي. كل فرد في المجتمع يمتلك مساحة، مهما بدت صغيرة، يمكنه أن يحدث فيها فرقًا. تغيير السلوك، تصحيح الفكرة، كسر عادة سلبية، أو إطلاق مبادرة بسيطة، كلها أفعال قد تبدو محدودة الأثر، لكنها حين تتراكم تصنع تحولات عميقة.

المبادرة هي روح التغيير. فبدل انتظار الفرصة، يمكننا صناعتها. في الحي، في مكان العمل، في المدرسة، أو حتى داخل الأسرة، يستطيع الفرد أن يكون صاحب مبادرة، لا متفرجًا. المجتمعات التي تنهض ليست تلك التي تكثر فيها الخطابات، بل تلك التي يكثر فيها الفعل. المبادرة لا تحتاج إذنًا، بل تحتاج شجاعة ورغبة صادقة.

وكل فعل، مهما صغر، له تأثير. التأثير لا يُقاس بضخامته الفورية، بل باستمراريته وانتشاره. كلمة مسؤولة قد تغيّر وعي شخص، وتصرف أخلاقي قد يعيد الثقة، وموقف شجاع قد يكسر دائرة الصمت. نحن نختار يوميًا: إما أن نكون جزءًا من المشكلة، أو جزءًا من الحل.

التعليم والتثقيف عنصران حاسمان في صناعة التغيير. أن نتعلم باستمرار، وأن نشارك ما نعرفه مع الآخرين، هو استثمار طويل الأمد في بناء مجتمع واعٍ. المعرفة لا ينبغي أن تكون حكرًا، بل جسراً، تُنقل عبره الخبرات والمهارات، خاصة في زمن يعاني فيه المجتمع من فجوات كبيرة في الوعي والمسؤولية.

كما أن المشاركة المجتمعية تعيد للفرد إحساسه بالانتماء والدور. الانخراط في الأنشطة الطوعية، والفعاليات المدنية، والعمل الجماعي، لا يغيّر الواقع المادي فحسب، بل يعيد بناء الثقة بين الناس، وهي عملة نادرة في المجتمعات المنهكة بالأزمات.

غير أن جوهر التغيير يظل داخليًا. التغيير الشخصي هو الخطوة الأولى والأصعب. قبل أن نطالب الآخرين بالإصلاح، علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا نُغيّر فينا؟ هل نحن قدوة في مواقعنا؟ هل نمارس ما ننادي به؟ في واقعنا اليوم، نرى كثيرين في مواقع القرار، سواء في إدارات مدنية أو حتى في هياكل يُفترض أنها تأسيسية، لكنهم يفتقرون للرغبة الصادقة في التغيير. أشخاص مُحنّطو الأفكار، بلا مبادرة، بلا خطط، ينتظرون بينما وطنٌ بأكمله يحتاج للبناء العاجل، ولرؤية جريئة، وبرامج تلبي احتياجات المواطن، الذي هو جوهر أي مشروع وطني.

ما نحتاجه ليس شاغلي مناصب، بل قادة مبادرين، شجعان، يؤمنون بالفعل لا بالمكاسب الشخصية. فالتغيير لا يصنعه الضعفاء ولا الانتهازيون، بل أولئك الذين يمتلكون الشجاعة ليدفعوا الثمن.

ختامًا، لا تنتظر التغيير وكأنه حدث خارجي. كن أنت بدايته. غيّر نفسك، بادر، علّم، شارك، وتأثّر ليؤثّر غيرك. فالأوطان لا تُبنى بالانتظار، بل بإرادة الأفراد الذين قرروا أن يكونوا الشرارة الأولى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!