رأي

المعركة على الوعي: لماذا نخسر لأننا نُهمل الإعلام؟

إبراهيم الريس

 

 إبراهيم الريس يكتب:

إلى متى يستمر التعامل مع الإعلام بوصفه ترفًا يمكن تأجيله، أو هامشًا لا يؤثر في مسار الأحداث؟

وإلى متى ندرك أن المعارك لا تُحسم بالقوة وحدها، بل بالوعي الذي يسبقها ويصاحبها ويمنحها معناها؟

وإلى متى نعي أن معاركنا تُدار كاملة بلا سردية، وبلا ذاكرة، وبلا توجيه معنوي حقيقي؟

من يجيب؟

نحن نسأل… أم بعد فوات الأوان؟

الاهتمام بالإعلام لم يعد خيارًا ثانويًا، بل أصبح مخرجًا أساسيًا في واقع تتشابك فيه السياسة بالوجدان، وتتنافس فيه الروايات قبل الوقائع. فالمعركة على الوعي لا تقل خطورة أو أهمية عن أي معركة أخرى، بل قد تكون هي الحاسمة في تحديد اتجاهاتها ونتائجها.

الحقيقة القاسية التي يجب قولها دون مواربة هي أننا نخسر كثيرًا لأننا لا نستثمر في الإعلام… لا لأننا بلا قضية، ولا لأننا بلا تضحيات، بل لأننا نترك قصتنا عارية بلا حماية، وبلا من يرويها كما يجب. نترك روايتنا مبعثرة في وقت يتقدم فيه خطاب الآخرين جاهزًا، بسرديات كاذبة قادرة على التأثير، لأنها وحدها في الساحة، ولا توجد رواية تفضحها أو تناقضها.

في زمن تتقدم فيه الرواية على الرصاصة، يصبح تجاهل الإعلام خطأً استراتيجيًا لا يُغتفر. فالمعركة على الوعي ليست معركة موازية، بل هي التي تمنح باقي المعارك معناها، وتحدد صورتها، بل وتسبق نتائجها أحيانًا. من يربح الرواية، يربح نصف المعركة قبل أن تبدأ.

ومع ذلك، لا تزال دائرة الإعلام غائبة أو شكلية، ولا تزال القيادة – أو حلقة الوصل بينها وبين الإعلام – تتعامل معه بعقلية الهواية والصدفة، وكأن رفع المعنويات، وحماية الذاكرة، وبناء الثقة، أمور يمكن تركها للاجتهاد الفردي. هذا ليس تقصيرًا إداريًا عابرًا، بل تفريط مباشر في أحد أهم خطوط الصمود.

على القيادة أن تدرك أن الإعلام ليس تابعًا، بل شريك يجب الاهتمام به. الإعلام صانع قرار، وهو العين الرشيدة التي تحمي القضية، وتحافظ على استمراريتها، وتمنع تشويهها أو سرقتها. دعم الإعلام، ومتابعته، وتوفير متطلباته، واجب استراتيجي؛ لأن دعم الإعلام هو كسب للمعركة قبل وقوعها.

كما لا يمكن فصل الإعلام عن الثقافة؛ فالإعلام الحقيقي ينتج وعيًا، ويصنع خطابًا، ويخلق وجدانًا عامًا.

أين الأغنية الثورية؟

أين الإنتاج الثقافي الذي يشعل الحماس ويثبّت المعنى؟

أين المسرح، والنص، والصورة؟

الثقافة ليست هامشًا، بل ساحة صراع أخرى. والفراغ الثقافي لا يبقى فراغًا، بل يُملأ بخطاب بديل، معادٍ أو مشوَّه أو مستعار من سياقات لا تشبهنا ولا تخدمنا.

الأكثر إيلامًا أننا نملك كوادر وطاقات حقيقية: شبابًا موهوبين، وخبرات إعلامية متراكمة، ومخزونًا ثقافيًا ثوريًا هائلًا. لكن كل ذلك يُترك دون رعاية أو تدريب أو احتضان، فنخسر مرتين: نخسر الموهبة ونخسر الأثر. لا لغياب الإمكانيات، بل لغياب القرار أو الجهل بقيمة ما نملك.

#شواهد

ما نشاهده اليوم من أعمال بسيطة – مثل هذا العمل – أُنتجت أو جُمعت بمجهودات فردية، وإن كانت مؤسسية فبإمكانات محدودة. هذا العمل، بقيمته الثورية، هو دليل إدانة واضح، ودليل على أن الإمكانيات موجودة، وأن المشكلة ليست في المنتج، بل في من يدعمه ويكتشفه ويوجهه.

حين تُحترم الذاكرة، وتُصان الكلمة، يتحول الصوت نفسه إلى فعل، ويصبح الإعلام شريكًا في الصمود، لا شاهدًا صامتًا على الانكسار.

الخلاصة:

كل الأعمال والثورات الناجحة كانت واضحة المعالم، مبذولة للعلن، لأنها قدّرت قيمة الإعلام ولم تُخرسه. فلا يمكن لأي مشروع أن يصمد طويلًا وهو أخرس.

ومن يستخف بالإعلام، يسلّم وعيه لغيره، ويوقّع على هزيمة بطيئة لا تُرى إلا بعد فوات الأوان.

الوقت لم يعد يحتمل التسويف…

إما إعلام واعٍ، منظم، ومدعوم…

أو فراغ يُدار ضدنا.

ولا توجد منطقة وسطى بين الأمرين.

والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!