
علي سانتينو
ليس في ذهاب عبد الفتاح البرهان إلى الدوحة ما يستحق كل هذا التمثيل الدبلوماسي الذي حاولت غرف الإخوان الإعلامية تسويقه. فالقصة تبدو أكثر فجاجة، وما البرهان الا قائد جيش مأزوم، غارق في حرب خاسرة أخلاقياً وسياسياً، شد رحالة إلى عاصمة التمويل الإخواني يطلب تعزيز الرصيد، وقد اصطحب في رحلته الى هناك عناصر اخوانية في سلطة بورتسودان. أما الصراف فلم يكن مضطرا لطرح مزيد من الأسئلة، فهو يفهم الزبون، ويحفظ الفاتورة ويدير الحساب منذ سنوات!
ولم يعد النظام القطري هو فقط حاضنة سياسية لجماعة الإخوان المسلمين، لكنه تحول عملياً إلى خزانتها المركزية وغرف المقاصة التي تُموَّل الحروب بالوكالة وتُغذى الفوضى تحت عناوين الدعم والوساطة. وفي السودان تلعب الدوحة دور تمويل الصراع والاستثمار في الدم بدل إنقاذ الشعوب من الحروب.
ان زيارة البرهان الى الدوحة جاءت بعد جولة محسوبة على محوري أنقرة والقاهرة، وهما ضلعان في شبكة دعم جيش الإخوان في السودان، وباكتمال المثلث تكون الدوحة هي الصندوق، وتركيا هي المصنع، ومصر بوابة العبور الى ميدان القتال. في هذا السياق لا تبدو زيارة البرهان لقاءً أخوياً مصورته قناة الجزيرة، بل كان جولة تحصيل مالي لقائد عسكري مهزوم فقد القدرة على ادارة حربه من الداخل، فذهب يبحث عن رعاية من الخارج !
ومن السخرية أن إعلام الإخوان وبوق قطر الذي تقوده قناة الحزيرة حاول إقناع العالم بأن لقاء وفد الحركة الاسلامية بقيادة البرهان ناقش العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك بين البلدين. أي اهتمام مشترك يجدد تمويل صفقة الطائرات المسيّرة التركية ويحدد حجم الدفعة القادمة من الأسلحة الباكستانية، ويطرح تكلفة المرتزقة الذين سيلتحقون بالحرب؟
ان دوحة آل ثاني التي تتمظهر بثوب عاصمة الحوار السياسي هاهي اليوم تستقبل أمراء الحرب في السودان بذات الابتسامة التي استقبلت بها قادة التنظيم العالمي للإخوان لعقود. الفرق الوحيد أن الدم هذه المرة سوداني والخراب شامل، بالتالي فان النظام القطري لا يمول الجيش السوداني كما يدّعي، بل يمول نسخة إخوانية مسلحة تستخدم الدولة غطاءً والدين شعاراً والمواطنين دعاية. وإذا كان البرهان قد ذهب طالباً فإن قطر تستقبل وهي تعرف أن كل دولار يُضخ في هذه الحرب يعني مزيدًا من النفوذ للتنظيم العالمي، ومزيداً من الفوضى القابلة للتوظيف السياسي، والحرب في العقل الإخواني ليست كارثة، بل أداة وفرصة للتدمير، وقطر كعادتها لا تضيع الفرص !
ان المشهد في مٌجمله أقرب إلى دراما سوداء تعكس صورة امير دولة يستقبل مجرم حرب وقائد جيش ايدولجي، وإعلام تضليلي بحانب خزانة تمويل من اجل الموت. بين هذا وذاك يُدفن الشعب السوداني تحت ركام الشعارات. لا سلام يُبحث ولا دولة تُنقذ، وكل ما في الأمر أن حرب السودان تحتاج إلى دفعة جديدة من التمويل لاراقة الدماء، والبنك الإقليمي للإخوان المسلمين يؤدي دوره بجدارة، حيث تبقى المحصلة ان من يريد فهم استمرار الحرب في السودان علية متابعة بيانات الحرص على الاستقرار والعلاقات الثنائية ليرى كيف تُفتح خزائن الدوحة لتُدار حرب السودان بهدوء، وتُموَّل جرائم كبرى باسم السياسة، ويُعاد إنتاج الخراب بفاتورة رسمية من خزانة الإخوان في قطر.




