
مؤيد الأمين
من أكثر الجرائم التي ارتكبها بعض الساسة، ووقع في فخها بعض المثقفين، تحويل سؤال الهوية في السودان من سؤال معرفي مفتوح إلى معركة عبثية تُدار بشعارات جوفاء. سؤال من نوع: نحن عرب أم أفارقة؟
يبدو السؤال في ظاهره جوهريًا، لكنه في حقيقته سؤال معطوب من الأساس، أشبه بمحاولة الاختيار بين
حرّ النار” و“حرّ الشطة
المعضلة ليست في الإجابة، بل في السؤال نفسه.
لقد جرى ترويج هذا السؤال بوصفه مفتاح فهم الذات، بينما هو في الواقع اختزال فادح للهوية الإنسانية، وخلط متعمد بين المكان والثقافة، وبين الجغرافيا والانتماء. أفريقيا ليست ثقافة واحدة، بل قارة مكتظة بآلاف الثقافات واللغات والتقاليد. والعروبة ليست لون بشرة، ولا شكل أنف، بل منظومة ثقافية ولغوية تاريخية، مثلها مثل الأنجلوسكسونية أو الفرانكفونية.
لكن “بابغاءات الفكر العقيم” – كما وصفهم الواقع بدقة – يرددون عبارات محفوظة بلا وعي:
نحن أفارقة لأننا سود البشرة، أو
نحن عرب لأننا مسلمون ونتحدث العربية.
وكأن الهوية تُقاس بالمرآة أو تُمنح بشهادة من الخارج.
الثقافة، كما هو متعارف عليه علميًا، تُبنى على ثلاثة أعمدة أساسية: اللغة، والموروث الشعبي، والدين، وتتشكل عبر التاريخ والعادات والتفاعل الاجتماعي. أما المكان، فهو ظرف جغرافي لا يفرض بالضرورة ثقافة بعينها. قد تعيش في أفريقيا بثقافة عربية، أو في أوروبا بثقافة أفريقية، دون أي تناقض.
المفارقة الساخرة أن بعضنا لا يزال ينتظر “اعترافًا” من الآخرين بهويته:
فالعالم العربي لا يرانا عربًا بما يكفي، وبعض الأفارقة يشككون في أفريقيتنا لأننا نتحدث العربية. وكأن الهوية منحة تُعطى أو تُسحب، لا حقيقة تُعاش.
هنا تدخل السياسة، لا بوصفها إدارة للاختلاف، بل كصناعة متعمدة للجهل. فقد عمل الإسلاميون، منذ عقود، على تفريغ سؤال الهوية من مضمونه المعرفي، وتحويله إلى أداة استقطاب حاد. لم يكن الهدف تعريف الإنسان السوداني بذاته، بل تفكيكه: إثنيًا، ثقافيًا، وجهويًا، حتى يسهل التحكم فيه.
جرى ضخ مفاهيم مشوهة:
العروبة ضد الأفريقانية،
الدين ضد التنوع،
والاختلاف ضد الوحدة.
بينما الحقيقة أن السودان، تاريخيًا، تشكل في نقطة تلاقٍ لا تصادم. فهو أفريقي بالمكان، عربي بأحد روافده الثقافية، سوداني بالتجربة التاريخية الفريدة التي لا تشبه أحدًا بالكامل.
الهوية السودانية ليست لونًا، ولا دمًا، ولا سلالة نقية – فهذه أوهام عنصرية ساذجة – بل هي تراكُم لغات، وثقافات، وأديان، وعادات، وتجارب مشتركة. هي لهجة تتشكل من أكثر من لسان، وموسيقى تحمل إيقاعات متعددة، ووجدان جمعي صاغته القرية والمدينة، النيل والصحراء، التصوف والحكمة الشعبية.
لكن بدل أن يُقدَّم هذا التنوع بوصفه ثراءً، جرى تسويقه كتهديد. وبدل البحث عن المشتركات الواسعة، جرى التنقيب المحموم عن الاختلافات الدقيقة. وهذا ليس جهلًا بريئًا، بل سياسة مدروسة: فرّق تسد.
الإنسان السوداني لا يحتاج أن يختار بين عروبته وأفريقيته، لأن هذا الاختيار غير موجود أصلًا. يحتاج فقط أن يفهم أن هويته مركبة، مفتوحة، وغير قابلة للاختزال. وأن الاختلاف سنة كونية، لكن التشابه هو القاعدة التي يُبنى عليها المجتمع.
لقد خلق الله البشر مختلفين في بعضهم، متشابهين في أكثرهم. أما تحويل الاختلاف إلى مشروع كراهية، فليس سوى فشل فكري يُغلّف نفسه بشعارات الهوية.
لذلك، ربما حان الوقت لنتوقف عن ترديد الأسئلة الخاطئة، وأن نعيد طرح السؤال الصحيح:
كيف نعيش هويتنا السودانية الجامعة، لا كيف نُجزّئها؟
فالهويات التي تُبنى على الإقصاء تموت سريعًا، أما الهوية التي تعترف بتعددها، فهي وحدها القادرة على البقاء.




