
دكتور الوليد آدم مادبو
لا تبدأ أزمة التحالفات السياسية حين تفشل في الوصول إلى السلطة، بل حين تقترب منها. هناك، عند العتبة الرمادية بين الوعد والممارسة، تنكشف الفجوة بين ما يُقال وما يمكن فعله. في التجربة السودانية، لم تكن المعضلة يومًا في ندرة الشرعية، بل في سوء إدارتها. فالشرعية، كما نبّه خوان لينتز، شرطٌ لازم، لكنها ليست شرطًا كافيًا للاستقرار؛ وإذا لم تُترجم إلى مؤسسات، تحولت من رافعة تاريخية إلى عبءٍ أخلاقي، يثقل الكتفين بدل أن يفتح الطريق.
في لحظات الانسداد الكبرى، تولد التحالفات عادةً محمّلة بمعنى كثيف: وعد بالقطيعة، واستدعاء لمظالم قديمة، وتعبير عن توقٍ جماعي إلى دولة لم تُبنَ بعد. هذا المعنى يمنحها قوة رمزية لا تُنكر، وقدرة على جمع أطراف متباعدة حول أفق واحد. غير أن هذه القوة نفسها تصبح موضع اختبار مبكر: هل تُصاغ في نظام، أم تُترك معلّقة في الهواء، رهينة النوايا الحسنة؟ هنا، كما يذكّر ماكس ويبر، تبدأ السياسة الحقيقية حيث تنتهي النوايا، وتبدأ المسؤولية.
غالبًا ما تُبنى هذه التحالفات بهياكل فضفاضة، تحت لافتات جذابة عن المشاركة واللامركزية. غير أن اللامركزية، إن لم تُضبط بمركز قرار واضح، لا تُنتج ديمقراطية، بل شللًا. يحذّر صمويل هنتنغتون من هذا المنزلق تحديدًا: حين يغيب مركز الحسم، يتحول التعدد من مصدر غنى إلى سببٍ للعجز. لا يعود السؤال: من يختلف مع من؟ بل: من يملك القرار حين يحين وقته؟
غير أن الخلل البنيوي لا يعمل وحده؛ إذ تُغذّيه أنماط سلوكية مألوفة: الخوف من الحسم باسم الوحدة، وتقديم التوافق الشكلي على الفعالية، وثقافة المجاملة التي تُحاصر النقد بدل أن تستثمره. هكذا تُؤجَّل الخلافات بدل إدارتها، حتى تنفجر في لحظة لا يمكن احتواؤها. ومع كل تأجيل، تتآكل الثقة داخل القيادة نفسها، ويتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى شكٍّ وجودي.
في تقاطعٍ تحليلي لافت، كما أشار حسن النعمان، تنكشف طبقة أعمق من الأزمة طالما تفاداها الخطاب السياسي: أن معظم الواجهات السياسية في السودان، على اختلاف شعاراتها وتحالفاتها، خرجت من رحمٍ اجتماعي–سياسي واحد، وتغذّت من منظومة امتيازات متقاربة. في هذا السياق، لا يبدو الخوف من الحسم مجرد ضعفٍ مؤسسي أو حرصٍ على الوحدة، بل تعبيرًا ضمنيًا عن توافقٍ غير معلن على إبقاء قواعد اللعبة كما هي، مع تبديل الواجهات لا البنية. ومن هنا، تعجز التحالفات عن إنتاج اختلاف نوعي، لأنها تفاوض داخل الدائرة ذاتها، وتُعيد تدوير الشرعية بدل إعادة تعريفها.
ومن داخل هذا الفضاء المشترك، حيث تتشابه الخلفيات وتُعاد إنتاج القواعد ذاتها، يبدأ وضوح الأدوار في التآكل تدريجيًا. تتداخل الوظائف، ويضيع الخط الفاصل بين من يصوغ الرؤية ومن ينفذها، وبين السياسي والإداري، وبين القيادة والتمثيل. يصبح كل موقع قابلًا للتأويل، وكل صلاحية موضع نزاع. وفي هذا المناخ، يُستدعى الأشخاص بدل المؤسسات، وتُستعار الكاريزما لتعويض غياب القاعدة. لكن كما يشير دوغلاس نورث، فإن المجتمعات التي تعتمد على الأشخاص لا تُراكم مؤسسات، بل تُعيد إنتاج الأزمات في كل منعطف.
تتجلى أزمة الشرعية هنا في أكثر صورها حساسية. حين تُفهم التعيينات بوصفها تسويات لا اختيارات، وحين يُختزل التمثيل في رمزية خاوية، وحين تُغلق معايير الاختيار داخل دوائر ضيقة. لا يحدث الانفصال عن القاعدة دفعة واحدة، بل تدريجيًا، عبر إشارات صغيرة تراكمية، حتى يشعر الجمهور أن الخطاب لم يعد يعنيه، وأن التحالف يتحدث بلغة لا تُترجم إلى أثر.
يزداد هذا الانفصال حدّة حين تتسع المسافة بين القيادة والواقع الميداني. ليست المسألة جغرافيا فقط، بل إدراكًا أيضًا. خطاب يُصاغ في سياق، ويُلقى في سياق آخر، دون وسائط قادرة على الترجمة. ومع الوقت، تصبح البيانات بديلًا عن الفعل، واللغة بديلًا عن التنظيم، وتُدار السياسة بوصفها سردية أكثر منها ممارسة.
وعندما يقترب سؤال الحكم، يظهر الامتحان الأعسر. هل بُنيت جاهزية حقيقية لإدارة الدولة؟ هل وُضعت سياسات، وطُوّرت قدرات تنفيذية، وأُنشئت دوائر استشارية قادرة على الربط بين الرؤية والقرار؟ أم ظل التحالف أسير منطق المعارضة، يتقن النقد ولا يتقن الإدارة؟ في هذه اللحظة، لا تكفي الشعارات، ولا يشفع التاريخ، ولا تُجدي النوايا.
في العمق، يتكرر الدرس الذي صاغه غرامشي بوضوح قاطع: كل كتلة تاريخية ترفض ممارسة السلطة داخلها، ستعجز عن ممارستها في الدولة. السلطة هنا لا تعني القمع، بل الانضباط، والقدرة على اتخاذ القرار، وتحمل تبعاته الأخلاقية والسياسية. من يهرب من هذه المسؤولية داخل كيانه، سيجد نفسه عاجزًا عنها حين يُطالَب بها على مستوى الدولة.
الخاتمة إذن ليست دعوة إلى مزيد من الخطاب، بل إلى شجاعة من نوع آخر: شجاعة الاعتراف بأن المعنى وحده لا يكفي، وأن الشرعية بلا نظام تُهدر نفسها، وأن الفرق الأخلاقي لا يُصان بالنيات، بل بالمؤسسات والمساءلة. في هذه العتبة بالذات، يُكتب مصير التحالفات: إما أن تعبر نحو الدولة، أو أن تبقى شاهدًا آخر على فرصةٍ أُهدرت باسم الخوف من الحسم.
January 31, 2026



