
الهادي أبو زايدة
في لحظات الانهيار الكبرى تُختبر الدول، لا في قدرتها على إطلاق الرصاص، بل في قدرتها على حماية الأقلام. وحين تتحول قاعات الامتحان إلى خطوط تماس، وتُختطف الشهادة السودانية من يد طلابها، فإننا لا نكون أمام أزمة تعليم عابرة، بل أمام جريمة استراتيجية بحق المستقبل نفسه. فالتعليم ليس خدمة هامشية يمكن تعليقها عند أول خلاف سياسي، بل هو العمود الفقري لأي دولة تريد أن تبقى.
إن قرار حكومة بورتسودان منع الطلاب في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات «تأسيس» من الجلوس لامتحان الشهادة الثانوية لا يمكن قراءته كإجراء إداري بارد، بل هو استخدام فجّ للتعليم كسلاح في معركة النفوذ. إنه إعلان خطير بأن الصراع لم يعد على الأرض فقط، بل على العقول، وعلى حق الأجيال في أن تحلم خارج خرائط السيطرة العسكرية. وبهذا المنطق، يصبح الطالب ضحية مزدوجة: ضحية حرب لم يخترها، وضحية قرار يحاصره في جغرافيا لا يملك تغييرها.
منذ إقرار المواثيق الدولية، عُدّ التعليم حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان لا يجوز مصادرته تحت أي ظرف. كما أكدت المنظمات الدولية المعنية أن التعليم في أوقات النزاع يجب أن يُحمى لا أن يُستهدف، لأنه يمثل طوق النجاة للمجتمعات المنهكة. لكن ما يجري اليوم يقلب المعادلة رأساً على عقب؛ إذ يُعاقَب الطالب لأنه يعيش في منطقة “غير خاضعة”، ويُحرم من الامتحان لأنه لا يحمل ختم الجهة المعترف بها سياسياً.
بهذا السلوك يُعاد تعريف المواطنة وفق خطوط التماس، ويُختزل الوطن في خريطة عسكرية متحركة. إن حرمان آلاف الطلاب من الجلوس لامتحان الشهادة السودانية يعني عملياً إعداماً مدنياً لطموحاتهم، وتأجيلاً قسرياً لأحلامهم، وفتح باب واسع أمام اليأس والتسرب والهجرة القسرية. فالدول التي تحاصر التعليم إنما تحاصر مستقبلها بأيديها.
وفي المقابل، فإن أي جهد يُبذل لضمان حق الطلاب في الامتحان، بعيداً عن الاصطفاف السياسي، هو موقف أخلاقي قبل أن يكون موقفاً إدارياً. لأن حماية الامتحان تعني حماية فكرة الدولة نفسها. فالمعركة الحقيقية ليست بين حكومتين، بل بين من يرى في الطالب مشروع طبيب ومهندس ومعلم، ومن يراه ورقة ضغط في صراع مؤقت. والتاريخ لا يرحم من يختار أن ينتصر للحظة على حساب الغد.
#كلااااام_شااااي
الهادي أبوزايدة




