رأي

فلسفة “التعارف”.. هل التنوع الإنساني نقمة أم ضرورة وجودية؟

إبراهيم الشيخ بشارة

 

  إبراهيم الشيخ بشارة

في ظل الصراعات المحتدمة التي تمزق أوصال المجتمعات اليوم، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على طاولة النقاش السياسي والاجتماعي: هل التنوع بين البشر قدرٌ يدفعنا للصدام الحتمي، أم أنه حكمة أعمق تستوجب البحث؟

إن المتأمل في واقعنا يدرك يقيناً أن التنوع ليس نقمة كما يحاول البعض تصويره، بل هو ضرورة كونية ومبدأ قرآني عظيم يتلخص في مفردة واحدة هي: “التعارف”. هذا المبدأ ليس مجرد شعار أخلاقي، بل هو إطار عمل سياسي واجتماعي متكامل، لا يقف عند حدود المعرفة السطحية، بل يقوم على ثلاثة أركان صلبة، نجد صدى احتياجنا لها في كل زاوية من زوايا وطننا الجريح:

أولاً: المعرفة (دحر الجهل بالآخر)

تبدأ الأزمات حين يجهل الإنسان الآخر، وثقافته، وظروفه؛ فالجهل هو التربة الخصبة التي ينمو فيها العداء والتوجس. في السودان، دفعنا ثمن “القطيعة المعرفية” بين مكوناتنا؛ فبدلاً من أن نفهم تنوعنا الإثني والثقافي كعامل إثراء، سمحنا للقوالب النمطية أن تبني جدراناً من الكراهية. المعرفة هنا تعني السعي الجاد لفهم “شريك الوطن” بعيداً عن ضجيج الخطاب الجهوي، وتفكيك الأوهام التي تغذي الانقسام.

ثانياً: الاعتراف (شراكة الوجود والمصير)

الاعتراف هو الخطوة الأهم في ممارسة التعايش؛ أن تتقبل وجود الآخر ليس “كعبء” أو “منافس”، بل كشريك أصيل لك في الخلق والإنسانية وفي تراب هذا الوطن. إن أزمة السودان التاريخية تكمن في “الإنكار المتدبادل”؛ وحلّها يبدأ من الاعتراف بأن السودان لا يملكه تيار أو عرق أو جهة، بل هو ملك لكل من يحمل وجع هذه الأرض في قلبه. الاعتراف هو الذي يحول التنوع من سبب للتناحر إلى وقود للبناء.

ثالثاً: المعروف (دبلوماسية الأخلاق وجبر الخواطر)

لا يكتمل التعارف إلا بـ “المعروف”؛ وهو أن يكون التعامل بيننا قائماً على الأخلاق الرفيعة والمصالح المشتركة. المعروف هو “المروءة السودانية” التي تآكلت بفعل آلة الحرب. هو الجسر الذي تمر عليه العلاقات لترميم ما دمرته المدافع. إن تقديم “المعروف” في واقعنا اليوم يعني إعلاء قيمة “حقن الدماء” و”إغاثة الملهوف” على أي مكسب سياسي عابر، ليكون أساساً لسلم أهلي مستدام.

خاتمة: السودان.. من فصام الصراع إلى وحدة الأصل

إن هذه الرؤية تنطلق من حقيقة “وحدة الأصل الإنساني”؛ وهي رؤية تحترم التنوع وتصيغ علاقات السلام. وإذا ما أسقطنا هذا المبدأ على واقعنا اليوم، نجد أن ما نعيشه في السودان من مرارة ونزوح ليس إلا نتيجة طبيعية لـ “فشل في التعارف”.

لقد تم اغتيال “المعروف” واستُبدل الاعتراف بالإقصاء، فغرق الوطن في صراع ضد ذاته. إن جرح السودان لن يندمل إلا بالعودة إلى هذه الأركان الثلاثة؛ فالتنوع في بلادنا من “نيم” الشمال إلى “تبلدية” الغرب، ومن “بحر” الشرق إلى “سهول” الوسط، هو ثروة معطلة.

الاعتراف بشراكة الجميع هو المخرج الوحيد من نفق الدمار.

ويبقى السؤال مطروحاً لكل سوداني وسودانية: كيف يمكننا أن نبدأ رحلة “التعارف” من جديد؟ وكيف نحول هذا التنوع الذي أرادوه وقوداً للحرب إلى محرك نهضة لوطن يسع الجميع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!