رأي

سقوط مشروع الاستبداد 

أبو عبدالله الراشدي

 

ابو عبدالله الراشدي 

عندما يتفق الداخل السوداني مع قطاعات واسعة من المجتمع الدولي على توصيف جماعة ما بأنها تمثل خطراً على الدولة والمجتمع، فإن ذلك لا يحدث مصادفة. فتصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية كجماعة إرهابية لم يكن مجرد قرار سياسي عابر، بل جاء تتويجاً لتاريخ طويل من الممارسات التي تركت آثاراً عميقة في حياة السودانيين وفي مسار دولتهم الحديثة.

لقد قوبل القرار بترحيب واسع داخل السودان، حيث عبّرت قوى مدنية وسياسية ومهنية، إلى جانب قطاعات عريضة من الشعب، عن دعمها لهذه الخطوة التي اعتُبرت اعترافاً دولياً متأخراً بحقيقة ما عاشه السودانيون طوال عقود من حكم هذه الجماعة. ولم يقتصر التأييد على الداخل فحسب، بل امتد إلى خارج الحدود، حيث أبدت دول عربية وإقليمية، خاصة في الخليج، ترحيبها بالقرار، في مؤشر واضح على إدراك متزايد لطبيعة الدور الذي لعبته هذه الجماعة في زعزعة الاستقرار.

فمنذ سبعينيات القرن الماضي بدأت الحركة الإسلامية في السودان مشروعها لاختراق مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية. ومع انقلاب عام 1989، دخل السودان مرحلة جديدة تحولت فيها الدولة إلى أداة لخدمة مشروع أيديولوجي مغلق، يقوم على التمكين والإقصاء والسيطرة الكاملة على مفاصل الحكم. ولم يعد الجيش حينها مجرد مؤسسة وطنية جامعة، بل أصبح جزءاً من منظومة مؤدلجة ارتبطت مباشرة بالمشروع السياسي للحركة الإسلامية.

خلال أكثر من ثلاثة عقود، عاش السودان سنوات مثقلة بالحروب والانقسامات. فقد اتسعت رقعة النزاعات المسلحة في أطراف البلاد، وتعرض المجتمع لانقسامات حادة نتيجة سياسات قامت على الاستقطاب الحاد وخطاب الكراهية. وفي الوقت ذاته تمدد الفساد داخل مؤسسات الدولة بصورة غير مسبوقة، بينما تراجعت الحريات العامة وتعرض المعارضون للقع والملاحقة.

لم تكن تلك المرحلة مجرد فترة حكم سياسي تقليدي، بل كانت حقبة أعادت تشكيل الدولة والمجتمع على أسس مختلة، حيث تم احتكار السلطة والموارد، وتعرض الاقتصاد الوطني لعمليات استنزاف واسعة، فيما جرى إقصاء قطاعات كبيرة من المجتمع من المشاركة في إدارة شؤون البلاد.

وعندما انفجرت ثورة ديسمبر المجيدة، عبّر السودانيون بوضوح عن رفضهم لهذا الواقع. فقد خرجت الملايين مطالبة بالحرية والسلام والعدالة، ومعلنة نهاية مرحلة طويلة من الحكم القائم على القهر والهيمنة. غير أن شبكات النفوذ التي تشكلت خلال سنوات الحكم لم تختفِ بسهولة، بل حاولت استخدام أدوات الدولة العميقة لإفشال حكومة الثورة وإعاقة مسار الانتقال الديمقراطي.

ومع تصاعد التوترات السياسية، جاء انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 ليعيد البلاد إلى دائرة الصراع، ويشكل محاولة جديدة للعودة إلى الحكم عبر تعطيل المسار المدني. لكن الأحداث لم تتوقف عند ذلك الحد، إذ جاءت حرب الخامس عشر من أبريل 2023 لتفتح واحدة من أكثر الفصول مأساوية في تاريخ السودان الحديث، حيث دفع المدنيون الثمن الأكبر من دمائهم وأمنهم واستقرارهم.

إن القرار الدولي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية كجماعة إرهابية يحمل في طياته رسالة واضحة مفادها أن العالم بدأ يدرك طبيعة الأزمة السودانية وجذورها العميقة. كما يمثل هذا القرار انتصاراً رمزياً لكل الضحايا الذين عانوا من سياسات العنف والاستبداد، ولجميع الأصوات التي طالبت بدولة تقوم على الحرية والعدالة وسيادة القانون.

وإلى جانب ذلك، فإن هذا القرار يبعث برسالة مهمة مفادها أن الدين نفسه بريء من الممارسات التي جرى توظيفه فيها كغطاء سياسي. فالقيم الدينية التي تقوم على الرحمة والعدل لا يمكن أن تكون مبرراً للقمع أو وسيلة لاحتكار السلطة.

قد لا يكون هذا القرار نهاية الطريق، لكنه بلا شك خطوة مهمة نحو إنهاء مرحلة طويلة من الإفلات من المساءلة، وبداية مسار جديد يأمل السودانيون أن يقودهم إلى دولة عادلة يسودها السلام وتحكمها الإرادة الحرة لشعبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!