رأي

جبال النوبة وأدوات الاستعمار الداخلي في مواجهة السودان الجديد. نماذج: (الحراك المدني لشعب جبال النوبة) و(إعلام جبال النوبة بالمهجر)

بروفيسور خالد كودي، بوسطن

 

بروفيسور خالد كودي، بوسطن

حين تعجز السلطة عن هزيمة الفكرة، تستأجر أصواتًا لتشويهها

ليست كل الضوضاء سياسة، وليست كل البيانات فعلًا عامًا، وليست كل الأجسام التي تتحدث باسم الشعوب امتدادًا حقيقيًا لمعاناتها أو نضالها او انحازها وانتصاراتها. ففي اللحظات التاريخية الفاصلة، حين يبدأ مشروع تحرري في اكتساب معناه المادي والأخلاقي، وتبدأ المجتمعات في تجاوز انقساماتها القديمة نحو أفق جديد اوسع، تظهر—كالفطريات السياسية—أجسام مصنوعة على عجل، بلا تاريخ، بلا ذاكرة نضالية، بلا مساهمة تُذكر في مقاومة الظلم، وتُدفع إلى الواجهة لأداء وظيفة واحدة: إرباك الوعي، وتشويه البديل، ومحاولة إبطاء التاريخ.

هذا هو السياق الذي يجب أن تُقرأ فيه أجسام من شاكلة ما يسمى “الحراك المدني لشعب جبال النوبة” و”إعلام جبال النوبة بالمهجر”… وما اليه، فهذه الاجسام ليست تعبيرات طبيعية عن مجتمع ينهض من داخله، ولا امتدادًا لتقاليد جبال النوبة في المقاومة والصمود والعمل العام، بل هي، في جوهرها، واجهات وظيفية أُنتجت في لحظة سياسية حساسة، لتخدم سلطة الأمر الواقع، وتؤدي دورًا رخيصًا في حربها ضد مشروع السودان الجديد، وضد التمدد السياسي الاستراتيجي لتحالف “تأسيس”.

أولًا: لماذا تخاف سلطة الأمر الواقع من السودان الجديد؟

الأنظمة المأزومة لا تخشى الاحتجاجات العابرة بقدر ما تخشى المشاريع التاريخية. يمكنها أن تقمع مظاهرة، أو تشتري ذممًا، أو تصنع أزمات جانبية، لكنها ترتعب حين يظهر مشروع يعيد تعريف الدولة من جذورها، ويطرح بديلًا لا يقتصر على تغيير الأشخاص، بل يستهدف بنية السلطة ذاتها.

وهذا هو جوهر الخوف من السودان الجديد.

فالسودان الجديد لا يطرح مجرد تحسينات إدارية، ولا يسعى إلى تجميل الدولة القديمة أو ترقيعها، بل يضع يده على جوهر الأزمة:

– الدولة المركزية التي احتكرت السلطة والثروة والرمز،

– الدولة التي عرّفت الوطن وفق مقاس نخبة محددة،

– الدولة التي جعلت من الجيش أداة لإخضاع الأطراف،

– والدولة التي رأت في التنوع تهديدًا، وفي العدالة خطرًا، وفي المساواة مشروعًا تخريبيًا.

ومن هنا، فإن سلطة الأمر الواقع في بورتسودان لا تقاتل فقط من أجل البقاء، بل تقاتل لمنع لحظة التأسيس نفسها؛ أي لمنع انتقال السودان من دولة الامتياز إلى دولة المواطنة، ومن دولة الفرض القسري إلى دولة التعاقد الحر.

وجبال النوبة لا تقف على هامش هذا الصراع، بل في قلبه النابض. فهي لم تكن يومًا ضحية تهميش عابر أو إهمال عرضي، بل كانت هدفًا لمشروع منهجي سعى إلى تفكيك وعيها، ومحاصرة إمكاناتها، وإبقائها في دائرة الاستنزاف الدائم. غير أن هذه المعادلة قد انكسرت. فقد تحررت الكتلة الصلبة في جبال النوبة—لا بوصفها جغرافيا فقط، بل كوعيٍ تاريخي وسياسي—وبدأت بالفعل في إعادة صياغة نفسها خارج شروط الهيمنة القديمة.

في الأراضي المحررة، لم يعد إنسان جبال النوبة موضوعًا للسياسات، بل فاعلًا في إنتاجها. هناك، يتشكل السودان الجديد لا كشعار، بل كممارسة يومية: إدارة مدنية تنبع من المجتمع، أنماط تعايش تتجاوز الانقسامات الإثنية والدينية، وجهود جادة لإعادة تنظيم الحياة حول قيم العدالة والمواطنة وقوانين السودان الجديد، بما فيها قوانين الأراضي وملكيتها للمجتمعات- بتوافق المجتمعات. هذا التحول ليس تفصيلاً هامشيًا، بل هو التهديد الحقيقي الذي تواجهه السلطة القديمة؛ إذ يكشف أن ما كان يُقدَّم كـ”قدر تاريخي” لم يكن سوى نظام قابل للكسر. قوانين السودان الجديد صممت لقفل باب تاليب المجتمعات المحلية ضد بعضها البعض التي برعت فيها الحكومات المتعاقبة.

ولهذا، فإن كل محاولات التشتيت وإثارة الصراعات الجانبية لم تعد سوى رد فعل متأخر على واقع جديد بدأ يتشكل. فحين يتحرر الوعي، لا يعود بالإمكان إعادته إلى حالة الغياب، وحين تبدأ المجتمعات في بناء ذاتها، يصبح تعطيلها مهمة مستحيلة، مهما ارتفع الضجيج حولها.

ثانيًا: جبال النوبة وسجل الظلم التاريخي الذي يريدون محوه

من يخرج اليوم ليزايد على الحركة الشعبية أو على مشروع السودان الجديد باسم “المدنية” أو “الوعي المجتمعي”، والحقوق عليه أولًا أن يجيب عن سؤال بسيط: أين كان حين كانت جبال النوبة تُباد؟

أين كان حين كانت القرى تُقصف بالطيران؟

أين كان حين كانت المزارع تُحرق، والآبار تُدمّر، والممرات الإنسانية تُغلق؟

أين كان حين فُرض الحصار على الناس، وجُعل الجوع سلاحًا؟

أين كان حين جرى تجريم هوية النوبة، والسعي إلى محو ثقافتهم وتاريخهم ووجودهم السياسي، بل وسرقة ارضهم واستخدامهم عمال عليها؟

اين كانت كيانات مثل “الحراك المدني لشعب جبال النوبة” و”إعلام جبال النوبة بالمهجر” ومن لف لفهم؟

لقد عاشت جبال النوبة عقودًا من الظلم التاريخي المركب:

ظلم الدولة المركزية،

وظلم التمثيل الزائف،

وظلم التنمية المنتقاة،

وظلم الحرب بوصفها أداة حكم،

وظلم الإقصاء الثقافي والديني،

وظلم تحويل الإقليم إلى ميدان دائم للعقاب الجماعي!

ولم يكن هذا الظلم مجرد خلل في السياسات، بل كان جزءًا من عقيدة حكم ترى أن المناطق التي تطالب بالمساواة يجب إخضاعها، وأن الشعوب التي ترفض الاندماج القسري يجب إنهاكها حتى ترضخ أو تتفكك.

لهذا فإن أي جسم لم يُعرف عنه موقف واضح من هذا التاريخ، ولم يُعرف عنه إسناد للضحايا، ولم يُعرف عنه دفاع عن الأرض والإنسان و”الكرامة الجد”، ثم يظهر فجأة فقط عندما بدأ مشروع السودان الجديد يحقق اختراقًا سياسيًا وأخلاقيًا، لا يمكن النظر إليه بوصفه فاعلًا مدنيًا بريئًا، بل بوصفه أداة تخريب سياسي وموظف رخيص.

ثالثًا: صناعة الأجسام الوكيلة – الوصفة القديمة بوجوه جديدة

حين تعجز السلطة عن فرض هيمنتها بالقوة المباشرة، تنتقل إلى مرحلة أكثر خبثًا: تفكيك المجتمع من الداخل. وهنا تُصنع “أجسام محلية” و”مبادرات أهلية” و”منصات إعلامية” تبدو، في ظاهرها، نابعة من المجتمع، لكنها في حقيقتها تعمل على زرع خطاب السلطة داخل هذا المجتمع.

هذا الأسلوب ليس جديدًا، بل هو من صميم أدوات الأنظمة السلطوية والفاشية والاستعمارية:

في جنوب إفريقيا، لم يكتف نظام الفصل العنصري بالشرطة والجيش، بل صنع “بنتوستانات” وقيادات محلية موالية، ليحوّل بعض أبناء المجتمع الاسود إلى وسطاء لقمع مجتمعهم.

وفي الجزائر، استخدم الاستعمار الفرنسي “الحركي” لضرب الثورة من الداخل، لا لأنهم كانوا أقوى أخلاقيًا، بل لأنهم كانوا الأقدر على معرفة النسيج المحلي وتخريبه.

وفي رواندا، لم تنشأ الإبادة من فراغ؛ سبقها جهد طويل في تعبئة المخيال المحلي، وصناعة شبكات دعائية وسيطة، وتحويل بعض البنى الاجتماعية إلى أدوات لتفجير المجتمع من داخله.

وفي السودان نفسه، مارست الدولة هذا الأسلوب مرارًا: في الجنوب صنعت القوات الصديقة وغيرها، في دارفور، في شرق السودان، والآن تحاول إعادة الوصفة ذاتها في جبال النوبة.

إن ما يسمى “الحراك المدني لشعب جبال النوبة” و”إعلام جبال النوبة بالمهجر” وغيرهم لا يخرجان عن هذا التقليد الرديء. فهما ليسا تجليًا لصحوة مدنية، بل أدوات خدمة للاستعمار الداخلي؛ الاستعمار الذي لا يأتي بجيوش أجنبية، بل يعيد إنتاج نفسه عبر المركز، وعبر شبكات التابعين، وعبر استخدام بعض الأصوات المحلية لإدامة التهميش وتعطيل الوعي.

رابعًا: الصمت وقت الجريمة، والضجيج وقت التأسيس

إن من أفظع ما يكشف الوظيفة السياسية لهذه الأجسام أنها صامتة في لحظات الجريمة، صاخبة فقط في لحظات الأمل

لم نسمع لها صوتًا حين كانت الإبادة تجري.

لم نر لها أثرًا حين كانت الطائرات تقصف المدنيين.

لم نقرأ لها موقفًا حين كانت الآبار تُدمّر وسبل الحياة تُقطع.

ومؤخرا، لم نعرف لها حملة ضد قوانين “الوجوه الغريبة” أو خطاب الفرز العنصري.

لم نرها تعترض على هدم منازل النوبة والمهمشين في قلب الخرطوم او كنابي الجزيرة وغيرها من مدن الشمال.

لم نسمعها تدين سياسات الطرد والإقصاء والعقاب الجماعي والكشات!

لكنها فجأة تستيقظ حين يبدأ مشروع السودان الجديد في بناء أفق جديد بتقنين التعايش قانونيا بإنصاف وعدالة.

هذه المجموعات تستيقظ لا لتدافع عن الناس، بل لتثير الشكوك.

لا لتواجه السلطة، بل لتشوش على البديل الثوري.

لا لتبني الوحدة، بل لتنفخ في النعرات الإثنية والدينية والمناطقية. مؤسف حقيقة.

وهنا يجب أن يُقال الأمر بوضوح:

من يصمت أمام القصف، ثم يصرخ فقط ضد مشروع التحرر، ليس محايدًا؛ إنه يؤدي وظيفة محددة.

ومن يختبئ خلف أسماء المجتمع، بينما لا يملك من المجتمع إلا اسمه، ليس فاعلًا مدنيًا، بل وسيطًا رخيصًا لسلطة مأزومة.

خامسًا: إثارة النعرات الإثنية والدينية بوصفها آخر سلاح للعاجزين

لقد تجاوزت الحركة الشعبية ومشروع السودان الجديد محاولات إثارة النعرات الإثنية والدينية بصورة واضحة وحاسمة، ليس على مستوى الخطاب فحسب، بل عبر ممارسات واقعية على الأرض. فبينما يستند المشروع إلى فهم عميق للتاريخ وتحولات الواقع، تعتمد تلك الأجسام على الشائعات والاكاذيب وتسعي لتشويه الوعي. وبينما يعمل المشروع على بناء مجتمع جديد، تنشغل تلك الواجهات بإحياء الانقسامات القديمة وتغذية الأحقاد.

التحول الجوهري هنا هو نقل التعايش من كونه مجرد حالة اجتماعية قابلة للانهيار، إلى كونه مبدأً قانونيًا منظّمًا. فمشروع السودان الجديد لا يطرح التعايش كشعار عابر، بل يعمل على ترسيخه عبر أطر دستورية ومؤسسية تضمن المساواة، وتحظر التمييز، وتحمي التنوع الثقافي والديني، وتؤسس لحكم لامركزي يعترف بالتعدد والحقوق. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن التعايش حين يُترك للنوايا وحدها يظل هشًا، أما حين يُقنّن قانونيًا، فإنه يتحول إلى عقد اجتماعي مستدام وقابل للحماية.

وقد أتاح هذا المسار أفقًا سياسيًا وأخلاقيًا جديدًا، جمع بين مجتمعات كانت في حالة صراع، لتلتقي اليوم على أساس الاعتراف المتبادل والمواطنة المتساوية، بدل علاقات الهيمنة والتفوق المكتسبة او الموروثة.

في هذا السياق، تمثل عمليات ترسيم الحدود بين المجتمعات الأصيلة—المنفذة عبر لجان ممثلة لهذه المجتمعات—آلية قانونية–مؤسسية ذات دلالة تتجاوز البعد الإداري. فهي تُجسد إقرارًا عمليًا بالحقوق التاريخية في الأرض والموارد، وتُعدّ استجابة لتراكمات من التعدي البنيوي الذي مارسته سلطات المركز في ظل غياب الحماية القانونية المعرفة والفاعلة.

كما يسهم هذا المسار في إرساء مبدأ الاعتراف بالملكية الجماعية والارتباط التاريخي بالمكان، باعتبارهما أساسين لتنظيم الحقوق والالتزامات، ويؤسس لإطار قانوني منظم للعلاقات بين المجتمعات يقوم على الاعتراف المتبادل والتسوية العادلة، بدلًا من الإقصاء أو فرض الهيمنة.

وفي المقابل، يعيد هذا النهج ضبط العلاقة بين هذه المجتمعات والسلطات الإقليمية والمركزية ضمن منظومة قانونية قائمة على تقاسم الاختصاصات، واحترام الحقوق، وضمان عدم التعدي، بما يعزز الاستقرار ويحد من النزاعات ويؤسس لشرعية مستمدة من العدالة وسيادة القانون.

في المقابل، لم يعد لدى السلطة وأدواتها سوى اللجوء إلى إثارة النعرات القبلية والإثنية والدينية والمناطقية—وهو خيار لا يكشف عن قدرة، بل يفضح فراغًا بنيويًا: غياب الرؤية، وانعدام العدالة، وفشل في حماية الحقوق، وعجز عن تأسيس دولة ذات مشروعية.

وحين تفقد السلطة أدوات البناء، تتحول إلى إدارة الخوف، وتفكيك المجتمع، وإعادة تدوير الأكاذيب بوصفها بديلًا عن السياسة. غير أن هذه الاستراتيجيات لم تعد تجد بيئتها القديمة؛ إذ تواجه واقعًا جديدًا يتشكل بثقة، واقعًا لم يعد فيه التعايش احتمالًا أخلاقيًا هشًا، بل أصبح قاعدة قانونية ومؤسسية مُلزمة، تقطع الطريق على محاولات الارتداد وتُفرغ أدوات الفتنة من أثرها.

لكن هذا السلاح نفسه هو دليل هزيمتها. فحين تلجأ السلطة إلى التحريض الإثني والديني، فهذا يعني أنها فقدت القدرة على الإقناع، وفقدت المشروعية، وفقدت حتى الحد الأدنى من الثقة في نفسها. إنها تعرف أن مشروع السودان الجديد أخطر عليها من أي بندقية، لأنه يسحب من تحتها أساس الشرعية الرمزية الذي عاشت عليه طويلًا: احتكار تعريف الوطن، واحتكار توزيع الوطنية، واحتكار الكلام باسم الشعب.

سادسًا: الأراضي المحررة تكذب دعايتهم

أقوى رد على هذه الأجسام ليس تفنيدها فقط، بل الواقع نفسه.

ففي المناطق المحررة، حيث أخذت ملامح السلطة المدنية للسودان الجديد تتشكل، ظهرت نتائج لم تستطع سلطة المركز أن تحققها رغم كل دعايتها:

– تحررت الأرض لا لتُسلم لصفوة جديدة، بل لتُدار بمنطق مجتمعي مختلف.

– نشأت صيغ للتعايش بين جماعات كانت السلطة تستثمر في نزاعاتها.

– تتبلور إدارة مدنية أقرب إلى الناس ومعبرة عنهم.

– أصبح ممكنا تصور الحكم باعتباره خدمةً وحمايةً وتنظيمًا للحياة، لا جهازًا للنهب والقمع وتمرير سياسات “فرق تسد” عبر وكلاءها.

هذه النتائج ليست كاملة، ولا تدّعي العصمة، لكنها تتجاوز أخلاقيًا وسياسيًا ما يحدث في مناطق سيطرة سلطة الأمر الواقع، حيث لا نرى إلا مزيدًا من التهجير، وهدم المساكن، وتجريف الحقوق، وتوسيع الخوف، واستدعاء خطاب الكراهية الاسرار علي الحروب.

الفرق هنا حاسم:

في مشروع السودان الجديد، تُبنى السياسة على قاعدة العيش المشترك بموضوعية وذكاء.

وفي مشروع الدولة القديمة، تُبنى السياسة على قاعدة إدارة الانقسام.

في الأول، يُنظر إلى التنوع باعتباره أساسًا لوطن جديد.

وفي الثاني، يُنظر إليه باعتباره مادة للتحريض والتفكيك.

سابعًا: تاريخ السودان في صناعة الوكلاء المحليين

ما يجري اليوم ليس استثناءً في التاريخ السوداني، بل استمرار لنمط معروف.

فقد درجت السلطة المركزية، كلما واجهت أزمة شرعية، على البحث عن وكلاء محليين:

مرة باسم الإدارة الأهلية “المتواطئة”،

ومرة باسم المجتمع المدني،

ومرة باسم الإعلام المحلي، ومرة باسم “اعلام جبال النوبة في المهجر”

ومرة باسم أبناء المنطقة او اصحاب المصلحة…الخ…

وفي كل مرة كان الهدف واحدًا:

ألا تواجه السلطة المجتمعات مباشرة، بل عبر وجوه مألوفة منها، تُستعمل وتستغل لامتصاص الغضب أو لتشويه البديل أو لتقسيم الناس على أنفسهم.

هذا ما حدث في الجنوب حين جرى الاستثمار في الانقسامات المحلية.

وهذا ما حدث في دارفور حين استُخدمت مجموعات محلية لتدمير نسيج الإقليم.

وهذا ما يُحاولوا أن تكراره اليوم في جبال النوبة: إنتاج وكلاء محليين لمهمة واحدة هي تعطيل الوعي وإرباك مسار التحرر… ولكن هيهات…ثورة وثوار السودان الجديد أكثر وعيا!

ثامنًا: بين الشرعية الزائفة والتاريخ الحقيقي

قد تُكثِر هذه الأجسام من البيانات والضجيج، لكنها لا تصنع شرعية. فالشرعية تُبنى بالفعل لا بالادعاء، وبالموقف لا بالظهور المتأخر.

السؤال الحاسم بسيط: من كان حاضرًا في لحظات القصف والحصار، ومن حمل قضية العدالة حين ساد الصمت؟

التاريخ وحده يجيب، ولهذا تبقى هذه المحاولات عاجزة أمام مشروعٍ تأسس بالتضحية والوعي، لا بصناعة الأجهزة ولا بخيالها الأمني.

خاتمة: خارج الزمن، خارج المستقبل

لم تعد المواجهة اليوم بين أطرافٍ متكافئة، ولا بين خطاباتٍ متنافسة، بل بين لحظتين تاريخيتين متباينتين جذريًا:

لحظة دولةٍ قديمة تستمد بقاءها من التفريق،

ولحظة تأسيسٍ جديد يقوم على الاعتراف والعدالة وإعادة تعريف الوطن.

سلطة الأمر الواقع، ومعها الكيانات المصنوعة التي تنفذ ما يطلب منها، لم تعد تمثل مشروعًا سياسيًا بقدر ما تمثل رد فعل متأخر على تحوّل بدأ يتجاوزها. فهي لا تحمي مجتمعًا، بل تدافع عن بنية امتياز؛ لا تُنتج وعيًا، بل تعيد تدوير الجهل؛ لا تؤسس سلامًا، بل تسعي تأجيج نيران الحروب.

في المقابل، لم يعد مشروع السودان الجديد فكرة مؤجلة أو شعارًا تعبويًا، بل صار واقعًا يتشكل—في الوعي، وفي الممارسة، وفي إعادة بناء العلاقات بين المجتمعات التي طالما رُهنت لصراعات مصنوعة. لقد تجاوز هذا المشروع ثنائيات الماضي، وفتح أفقًا مختلفًا: من سؤال من يحكم، إلى سؤال كيف تُبنى دولة لا تُقصي أحدًا.

ولهذا، فإن كل محاولة للنيل من هذا المسار عبر إثارة النعرات الإثنية والدينية والمناطقية، لا تعكس قوة بقدر ما تكشف مأزقًا: مأزق العجز عن مجاراة التاريخ والحاضر معا، ومأزق الارتهان لخطاب فقد صلاحيته.

لقد سقط الوهم القديم: لم يعد ممكنًا شراء الشرعية بالبيانات، ولا تعطيل المستقبل بالشائعات، ولا كسر مشروع تحرري عبر وكلاء محليين.

فالسودان الجديد ليس لحظة عابرة، بل تحوّل في بنية الوعي ذاته.

ومن يختار الوقوف ضده اليوم، لن يوقفه—بل سيكتشف، متأخرًا، أنه لم يكن يقاوم مشروعًا فحسب، بل كان يقاوم المستقبل نفسه.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!