
عبدالله محمد ادم : كمبالا
في لحظات كانت تفترض أن تكون مقدسة، حيث ترفع الأيدي بالدعاء في ليالي رمضان، وتعلو التكبيرات في صبيحة العيد، كان صوت الرصاص والطائرات المسيرة هو الآذان الآخر الذي لا يريد أن يسكت في السودان، بينما كان يفترض في جيش وطني أن يكون سيفًا يحمي به الأهل و البيوت والماء تحول في غرب السودان إلى آلة تنقض على كل ما هو قابل للحياة.إنها ليست مجرد معركة بين طرفين عسكريين، بل هي عسكرة الحقد التي تجاوزت حدود المنطق العسكري، و الا فما معنى أن تستهدف المستشفيات في زمن المرض و المجاعة ؟ وما معنى أن تُقصف منابع المياه في ذروة العطش في شهر الصيام؟ وما مغزى تدمير القرى وتهجير الأهالي في يوم العيد، إلا إذا كان الأمر تحول إلى حقد العسكر ذاته، حقد يتغذى على الجسد السوداني،حقد يريد أن يقتل فيه الروح قبل الجسد،فقد أظهرت الأحداث في غرب السودان أن البعض في المؤسسة العسكرية قد نسوا أنهم خرجوا من رحم هذا الشعب و من صف الانسانية و تحولت آلياتهم العسكرية إلى أدوات لتعذيب الجغرافيا السودانية؛ فالطريق إلى تأمين السلطة لم يعد يمر عبر قلوب المواطنين، بل عبر تجويعهم، و تدمير مستشفياتهم، وتسميم آبارهم في الضعين و ام رسوم و لقاوة و المجلد و ابوزبد و غيرها في غرب السودان، و المشهد ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة؛بل هو جريمة ضد الإنسانية ترتكب أمام أعين العالم. فالمستشفيات التي يفترض أن تكون خطوط الدفاع الأخيرة عن الحياة، تحولت إلى أهداف مشروعة في معجم الحرب مستشفي الضين اخر الامثلة و موارد المياه، التي هي ملك للجميع وليست غنيمة حرب، أصبحت محاصرة أو ملوثة عمدًا كما في ام رسوم ،وفي أيام رمضان والعيد، قُتلت الرحمة التي كان يجب أن تسود، و قتلت معها فرحة الأطفال الذين لم يعد العيد يعني لهم إلا الموت والنزوح.
وهنا نطرح سؤال: هل نحن أمام عسكرة الحقد، أي تحويل الكراهية إلى استراتيجية عسكرية منظمة تدار ببرودة دم، أم أننا أمام حقد العسكر الذي تحولت معه المؤسسة الوطنية إلى عصابة قبلية أو فئوية تنتقم من المواطن لأنه ليس منها كما تعتقد؟
لقد أثبت التاريخ أن الجيوش التي تحترف حقد الحاكم لا تحمي الوطن، بل تسيجه لتجعله سجنًا كبيرًا لأهله و للاسف الجيش السوداني، الذي كان يومًا رمزًا للوحدة الوطنية، أصبح في بعض تجلياته أداة لتفتيت هذه الوحدة، حيث تحول سلاحه ليطال المدنيين في بيوتهم، ليضرب آبارهم ليعطشهم و يقتلهم مع دوابهم، ليضرب أسواقهم ليجوعهم، و ليضرب مستشفياتهم ليمنع عنهم الدواء حتى في أقدس أيام الله.
هذه ليست حربًا على متمرد، هذه حرب على الوجود الإنساني السوداني في غرب البلاد، إنها إرادة ممنهجة للانتقام من المدنيين، وكأن المواطن في دارفور أو في كردفان هو العدو الأول.
إن العيد الذي مر على السودان لم يكن عيدًا، بل كان ذكرى سوداء على جبين الأمة، وفي رمضان، لم يكن الجوع فيه عبادة، بل كان أداة عذاب،فحين يستبيح جيش دولة ما حرمة الدم في الأشهر الحرم، وحين يستبيح حرمة المستشفيات والمياه، فإنه يفقد صفته كجيش وطني ليتحول إلى عصابة حقد مسلحة لا تختلف عن من تحاربهم بدعوي التمرد او الاجرام.
على الضمير الإنساني أن يصحو، وعلى التاريخ ألا يمر مرور الكرام على جرائم عسكرة الحقد هذه في السودان، فما يحدث ليس حربًا بالمعنى التقليدي، بل هو إذلال ممنهج لشعب بأكمله، وجيشه الذي كان يحميه أصبح اليوم أداة بطشه، وحقد العسكر أصبح أشد فتكًا من حقد الأعداء.
لكن يبقى الأمل أن ينتصر صوت الماء والحياة على صوت البارود، وأن يعرف الجندي البسيط أن كرامته الحقيقية ليست في قمع أبناء بلده، بل في أن يكون حارسًا لمستشفياتهم و آبارهم وأعيادهم. وإلا سيبقى السؤال عالقًا في وجدان الأجيال القادمة: كيف لجيش أن يتحول إلى سجن كبير لشعب بأكمله؟ و ستكون النتيجة ان لا احد يسلم من فتنتكم




