
دكتور خالد تارس
في مشهد إقليمي يعج بالنفاق السياسي وتبديل الأقنعة، لم يعد ممكناً للنظام الملكي السعودي بعد اليوم تغليف الحقائق وتلميعها بعبارات دبلوماسية. ما نسمعه بشأن إيقاف تمويل صفقة أسلحة باكستانية لصالح الجيش الاخواني في بورتسودان كان ارتداد اضطراري لسقوط ورقة التوت عن علاقة (مشبوهة) بين المال السياسي الخليجي ومشروع الإسلامويين في المؤسسة العسكرية السودانية.!
وليكونوا اكثر صراحة من اي وقت مضى، فإن الإخوان لم يتسللوا إلى الجيش السوداني خلسه كما تدعي الرياض، فقد كانت هذه الجماعة تبيض وتفقس في هذا المكان لعقود، حيث فرخت اعداداً من الضابط بداخله، وبنت شبكة ولاء أيديولوجي لا تخطئها العين. هذا الواقع ظل مكشوفًا لكل من أراد أن يرى او يتذكر. ومع ذلك كله اختارت الرياض ان تغض طرفها وتضخ أموالها عبر باكستان، لتسليح مؤسسة (مخترقة) عقائدياً، هذا سلوك براغماتي فاسد لا سذاجة. فالصراع المكتوم مع أبوظبي، والتشابكات في صنعاء، إضافة إلى التفاهمات (الرمادية) مع القاهرة، جعلت من السودان ساحة لتصفية الحسابات، وتمكين جماعة أيديولوجية أثبت التاريخ أنها تتغذى على (الفوضى) وتستثمر في انهيار الدول.!
لكن ما لم تحسب له الرياض هو أن لعبة دعم الإخوان تحت (الطاولة) لم تعد ممكنة في عالم يتجه نحو الاستقطاب الحاد. وان قرار الولايات المتحدة الأمريكية بتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية وضع جميع حلفاءها في موقف إما الانكشاف أو التراجع، لذلك جاء القرار السعودي بوقف التمويل كاستجابة (مذعورة) لضغط دولي لا يمكن تجاهله.!
ان الحديث عن اكتشاف متأخر لهيمنة الإخوان داخل الجيش السوداني هو سخرية سياسية سودا، لان الهيمنة كانت مُستخدمة لخدمة مصالح ظرفية، و بمجرد أنها تحولت إلى عبء دولي تم رميها مع الأخطاء غير المقصوده، وهذا يعتبر تناقضاً وفضيحة سياسية. فالخطير في الدعم السعودي للإخوان في حرب السودان، أنه ساهم في إطالة أمد الصراع العسكري، وزاد من تعنت الجيش الذي تهيمن عليه جماعة عقائدية. وبدلاً من الدفع نحو حل سياسي جاد، تم تغذية الحرب بالمال والسلاح، فكانت وصفة جاهزة للفوضى في الإقليم.!
وفي سياق التحولات الكبيرة لمواجهة خطر الإخوان في السودان تبرز موريتانيا في خطوة إبعاد عناصر الجماعة وتجميد حساباتهم البنكية كموجة إقليمية لإعادة التموضع. هذه الخطوة تعكس إدراكاً متأخراً لخطورة ترك هذه الجماعات التي ظلت تتحرك بحرية تحت غطاء العمل (الدعوي). موريتانيا، التي قررت أن تقطع الطريق مبكراً في انسجام مع المناخ الدولي الجديد هي ليست في قلب العاصفة كما السعودية، لكنها ترسل رسالة لمن يراهن على اللعب في المنطقة الرمادية، سيجد نفسه خارج اللعبة بالكامل.!
ويبقى السؤال المهم، هل ما حدث من إيقاف صفقة تسليح لصالح جيش البرهان هو نهاية الدعم السعودي للإخوان في السودان أم إعادة تموضع حذر، لان الجماعات الإسلامية بارعة في تغيير جلدها، فهي تعود مجددا لاستخدام نفس الأنظمة إذا تغيرت (المعادلات).!
ان ما قام به النظام السعودي من ايقاف لصفقة تسليح هو انكشاف صريح لشبكة مصالح قذرة، كانت تغذي مشروعاً أيديولوجياً داخل مؤسسة يفترض أن تكون وطنية. فالقرار السعودي المتأخر، لم يغلق الملف كما فتح باباً واسعاً لسؤال كيف ولماذا تم تمويل هذا المشروع أصلًا؟
في هذا التوقيت تحديداً لم تعد بعض الحقائق قابلة للإخفاء، ولا يكفي التراجع عن أخطاء تاريخية ارتكبت بالطمع السياسي. فالمطلوب هو اعتراف سعودي صريح، لكن الاعتراف في عالم السياسة نادراً ما يشكل فضيحة سياسية وقعت بالفعل.




