
عابدة مختار
تظل ولاية جنوب دارفور واحدة من أكثر ولايات السودان تعقيدًا من حيث تركيبتها الاجتماعية وثقلها القبلي، إلى جانب موقعها الجغرافي الفريد الذي جعلها حلقة وصل بين شرق ووسط دارفور، ومركزًا اقتصاديًا نشطًا ظلّ لعقود يشكّل رئة تجارية حيوية للإقليم. هذا الثقل، بكل أبعاده، تحوّل إلى تحدٍّ مضاعف مع التحولات السياسية الأخيرة، خاصة بعد أن أصبحت نيالا عاصمة لحكومة “تأسيس” ومقرًا لإدارتها المدنية.
في ظل هذه الظروف الاستثنائية، حيث يتقدم هاجسا الأمن والصحة على ما سواهما، برزت تجربة الإدارة المدنية في جنوب دارفور كنموذج لافت يسعى إلى تحقيق الممكن في واقع بالغ التعقيد. فبعد منح الإدارات المدنية صلاحيات أوسع، استطاعت الولاية أن تخطو خطوات متقدمة مقارنة بنظيراتها، متجاوزة منطق إدارة الأزمات إلى محاولة صناعة التعافي.
يقود هذا الحراك والي الولاية يوسف إدريس يوسف، الذي اتجه مع طاقمه التنفيذي نحو إعادة الحياة إلى الفضاء العام، ليس فقط عبر تعزيز الأمن، بل بفتح مسارات متعددة للنشاط المجتمعي والاقتصادي. فقد شهدت نيالا عودة تدريجية لروحها المدنية، تجلّت في فعاليات مثل “ليالي ومنتجع الخيام” التي أعادت للمدينة بعضًا من بريقها، إلى جانب المعرض التجاري الذي استقطب حضورًا كثيفًا، وعكس حيوية السوق المحلي، خصوصًا مع بروز لافت لمشاركات نسوية متميزة في مجالات الإنتاج والإبداع.
كما شكّل مضمار الفروسية، الذي امتلأت مدرجاته بالحضور، رمزًا ثقافيًا واجتماعيًا يعكس عمق الموروث المحلي، فيما حملت مؤتمرات الصلح بين المكونات القبلية دلالات مهمة على اتجاه جاد نحو ترميم النسيج الاجتماعي وتقريب المسافات بين المجتمعات.
وفي موازاة هذا الحراك، شهدت محليتا نيالا شمال وجنوب نشاطًا اقتصاديًا ملحوظًا، حيث عادت الأسواق لتضج بالحياة، مستقطبة متسوقين من مختلف المحليات، بل وحتى وافدين من العاصمة الخرطوم، في مؤشر على تحسن نسبي في الاستقرار وتوفر الخدمات الأساسية.
أما على الصعيد الأمني، فقد أولت حكومة الولاية هذا الملف أولوية قصوى، عبر إحكام السيطرة على الأوضاع، وتفعيل الأطواف والاستجابة السريعة لأي طارئ، مما أسهم في خلق بيئة أكثر استقرارًا رغم التحديات المحيطة.
ويبرز في الأفق حدث بالغ الأهمية، يتمثل في استعداد الولاية لاستضافة امتحانات الشهادة السودانية، وهو تطور يعكس عودة تدريجية لمؤسسات الدولة، ويمنح آلاف الطلاب فرصة استئناف مسارهم التعليمي بعد انقطاع قاسٍ.
إن ما تشهده جنوب دارفور اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع، لكنه يقدّم في الوقت ذاته مؤشرات على إمكانية بناء نموذج إداري قادر على تحقيق التوازن بين ضرورات الأمن ومتطلبات الحياة. ومن نيالا، عاصمة السلام، تلوح ملامح مرحلة جديدة، تأمل أن تفتح الطريق أمام سودان يتسع للجميع، ويؤسس لمعركة البناء والتعمير على أرض أنهكتها الحروب، لكنها لم تفقد قدرتها على النهوض.




