رأي

سودان جديد نفسياً : سلسلة: تفكيك مصفوفة الوهم (6) الحرب النفسية – هندسة الهزيمة: «اغتيال الذاكرة».. كيف تسرق دولة 56 رواية الشعب وتعيد بيعها له؟

مجدي محمد مصطفي ماكن

 

مجدي محمد مصطفى ماكن

مقدمة: الذاكرة هي “جهاز المناعة” للأمم

يقال إن “التاريخ يكتبه المنتصرون”، لكن في حالة “دولة 56” في السودان، لم يكتفِ المنتصر (الاستعمار/ المركز) بكتابة التاريخ، بل قام بـ “محو” تاريخ الآخرين.

إن الذاكرة الوطنية لأي شعب هي بمثابة “جهاز المناعة”؛ إذا فقد الشعب ذاكرته، فإنه يفقد قدرته على تحديد هويته، ومعرفة أعدائه، وتجنب تكرار أخطائه. ولأن الدولة العميقة تدرك هذه الحقيقة جيداً، فقد جعلت من «اغتيال الذاكرة» واحدة من أهم أدوات حربها النفسية لتطويع السودانيين.

لا يتم القهر بالرصاص والاعتقالات فقط، بل يُستكمل بمسح آثار هذا القهر من العقول. إنهم يسرقون روايتك، ويطمسون دماءك، ثم يعيدون بيع القصة لك بعد تزويرها، لتجد نفسك في النهاية تعتذر للجلاد، وتنسى وجه الضحية!

آليات “الحذف والتذويب”: كيف تُصنع الزهايمر الوطنية؟

لكي تحافظ المنظومة على “طهارة” صورتها الكاذبة، تقوم بعملية “مونتاج” (قص ولصق) قاسية للذاكرة الجمعية عبر آليتين خطيرتين:

1. آلية “الحذف” (الإقصاء الممنهج):

إذا تصفحت كتاب التاريخ المدرسي الذي درسته أجيال من السودانيين، ستجده تاريخاً “أحادياً” يعبر عن منطقة جغرافية وثقافية واحدة (الشريط النيلي). تم حذف تواريخ ممالك وإمبراطوريات عظيمة في دارفور، كردفان، جبال النوبة، والنيل الأزرق، والشرق، أو تم تهميشها لتُذكر كـ “هوامش” على متن التاريخ المركزي.

هذا الحذف ليس كسلاً أكاديمياً، بل هو “إعدام إدراكي”. عندما لا يجد الطفل المهمش أجداده في كتاب التاريخ، فإنه يتربى على قناعة نفسية بأنه “ضيف” في هذا الوطن، وليس شريكاً أصيلاً يمتلك حق تقرير مصيره.

2. آلية “التذويب” (تمييع الجريمة):

ماذا تفعل الدولة عندما ترتكب مذبحة ضخمة لا يمكن إخفاؤها؟ تقوم بـ “تذويبها” في مصطلحات مائعة لامتصاص صدمتها.

عندما تُحرق مئات القرى في دارفور وتُغتصب النساء، لا تُسجل في الذاكرة الرسمية كـ “إبادة جماعية”، بل تُسمى: “صراعات قبلية على الموارد”. وعندما يُباد الآلاف في جبال النوبة، يُسمى ذلك: “تمشيط جيوب التمرد”.

هذا التذويب اللغوي يقتل الذاكرة؛ فهو يوزع دم الضحية بين القبائل، ويُبرئ الدولة (الفاعل الحقيقي) من الجريمة، ليتحول الحدث المروع بمرور الزمن إلى مجرد “حوادث مؤسفة” لا تستوجب المحاسبة.

الحداد الطبقي: “هرمية الدم” في دولة 56

من أخطر التجليات النفسية لاغتيال الذاكرة هو ما نطلق عليه “الحداد الطبقي أو الجهوي”.

لقد هندست المنظومة مشاعرنا وعلمتنا (لا شعورياً) كيف نحزن، ومتى نحزن، وعلى من نحزن!

في دولة 56، الدم ليس متساوياً.

• إذا سقط قتيل في غزة “البعيدة”، أو إحدى مدن المركز، تتوقف الحياة، وتشتعل وسائل التواصل، وتُقام له الجداريات، ويُحفر اسمه في الذاكرة الجمعية كـ “بطل قومي”.

لكن، إذا سقط مائة قتيل بصواريخ طيران الجيش أو برصاص المليشيات في معسكرات النزوح في دارفور، أو في قُرى كردفان، يمر الخبر كشريط إخباري بارد أسفل الشاشة، ولا يُعلن حداد، ولا تُذرف دمعة وطنية حقيقية.

يتحول البشر هناك إلى مجرد “أرقام” أو “إحصائيات”. و حتى الأرقام يتم تزويرها، و التلاعب فيها.

هذا الفرز النفسي للضحايا هو انتصار ساحق للجلاد؛ لأنه يمزق الوجدان الوطني، ويقول للمهمش: “حتى في الموت، أنت لا تساوي شيئاً في ذاكرة هذه الدولة”. و جميعكم رأي كيف يموت جنود الجيش بالآلاف في حروب عبثية، حروب لا تستند الى اي شرعية قانونية او أخلاقية، يموت فيها أبناء الهامش من جنود الجيش ولا بواكي عليهم.

“عفا الله عما سلف”: الذاكرة كتهديد أمني

بعد كل ثورة أو تغيير جزئي، يخرج علينا “سدنة الضباب” بمقولة مفخخة: “يجب أن ننسى الماضي لنبني المستقبل.. عفا الله عما سلف.. لا تنبشوا الجراح”.

هذه المقولات تبدو في ظاهرها تسامحاً وطنياً نبيلاً، لكنها في علم النفس السياسي هي “تبييض للسجون، وغسيل لدماء القتلة”.

المطالبة بالنسيان قبل تحقيق العدالة ليست تسامحاً، بل هي “تواطؤ”.

الجلاد الذي يطلب منك النسيان لا يبحث عن السلام، بل يبحث عن “الإفلات من العقاب” (Impunity)، لكي يضمن بقاء ثروته التي سرقها، ومناصبه التي اغتصبها، ثم يعود ليقتلك في الدورة السياسية القادمة.

الذاكرة الحية والمطالبة بالمحاسبة الجنائية والسياسية هي أكبر مهدد لوجود الكارتيل الحاكم.

الترياق: التوثيق والتذكر كـ “فعل مقاومة”

إن استرداد الذاكرة ليس ترفاً ثقافياً، بل هو أولى خطوات “التأسيس” الحقيقي:

1. رفض الرواية الرسمية: يجب أن نتوقف عن استهلاك “التاريخ المعلب” الذي يدرسه لنا المنهج المركزي. يجب استعادة روايات الأجداد، وتاريخ المقاومة المنسي في كل الأطراف. تاريخنا الحقيقي موجود في الأغاني الشعبية، وفي حكايات الجدات، وفي ذاكرة الناجين من المذابح.

2. العدالة الإدراكية للضحايا: يجب كسر هرمية الدم. دماء الشهيد في الجنينة أو نيالا أو كادوقلي يجب أن توجعنا بنفس القدر الذي توجعنا به دماء شهيد الخرطوم أو عطبرة. التضامن الإنساني العابر للجغرافيا هو الرابط الوحيد الذي سيبني السودان الجديد.

3. الذاكرة سيف مسلط: لا نسيان ولا تسوية ولا “عفا الله عما سلف” قبل تفكيك منظومة القتل والمحاسبة الجنائية الرادعة لكل من تورط في دماء السودانيين ونهب ثرواتهم.

التذكر هنا ليس حقداً، التذكر هنا “عدالة حتمية”.

في المقال القادم، سنتناول زاوية خفية ومؤلمة من حربنا النفسية: «الجماليات الاستعمارية».. حين ينظر المقهور لنفسه بعين جلاده، وكيف تم تشويه صورتنا أمام مرآة ذواتنا!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!