
حسن النعمان
ليست كل العقارب تزحف في الصحراء…
بعضها يتسلل بيننا بهدوء، يرتدي وجوهاً مألوفة، ويتحدث بلغتنا، ويشاركنا تفاصيلنا اليومية دون أن نشعر بخطورته.
في السودان، حيث يعرف الناس لسعة العقرب جيداً، أدركوا أن الألم لا يأتي دائماً من الأماكن المكشوفة، بل من الدوائر الضيقة… من حيث نطمئن، من البيت، من الصديق، من القريب الذي حسبناه سنداً فإذا به خنجراً مغروساً في الظهر.
العقرب لا تُعلن نواياها…
لا ترفع صوتها قبل أن تضرب…
ولا تحتاج إلى ضجيج لتُحدث أذى عميقاً. هكذا هم بعض البشر، يقتربون منك أكثر مما ينبغي، يدرسونك بصمت، يحفظون تفاصيلك الصغيرة، ويختارون اللحظة التي تكون فيها ضعيفاً، مطمئناً، مكشوفاً… ثم يوجهون ضربتهم.
نحن لا نخاف من العدو الظاهر…
فذلك يمكن مواجهته، أو على الأقل الاستعداد له.
لكن الخطر الحقيقي، ذاك الذي يشاركك ضحكاتك، ويجلس إلى جوارك، ويخفي في داخله نية الغدر، ينتظر فقط اللحظة المناسبة ليُفرغ سمه فيك دون إنذار.
العقرب لا تلد إلا عقرباً…
وكذلك بعض البيئات الفاسدة، التي تُعيد إنتاج الخبث جيلاً بعد جيل، حتى يصبح الغدر سلوكاً عادياً، لا يُستنكر، ولا يُستغرب. في تلك البيئات، يُربّى الخداع كما تُربّى العادات، ويُمارس الطعن كما تُمارس التفاصيل اليومية.
كم من بيتٍ انهار بسبب “عقرب داخلي”…
وكم من علاقة انتهت بلدغة صامتة…
وكم من وطنٍ أنهكته خيانات أبنائه أكثر مما أرهقته حروب أعدائه.
ليست المشكلة في وجود العقارب…
فهي خُلقت بطبيعتها، تحمل سمّها وتسير وفق غريزتها.
لكن الكارثة الحقيقية حين نفتح لها الأبواب، ونُقربها، ونُحسن الظن بها رغم إشاراتها الواضحة، ثم نندهش حين تلدغنا.
الحقيقة المُرّة:
ليست كل لدغة خيانة… لكنها في الغالب نتيجة ثقةٍ وُضعت في غير موضعها.
فاحذروا…
ليس كل هادئٍ آمناً،
ولا كل قريبٍ مأموناً،
ولا كل ابتسامةٍ بريئة.
بعضهم…
عقارب تمشي على قدمين،
تنتظر لحظة دفء… لتُحوّلها إلى وجعٍ لا يُنسى.


