
سمية النور دهب
الدولة التي تفقد بوصلتها الأخلاقية… لا تعود حاميةً لشعبها، بل تتحول إلى عبءٍ عليه
في وقتٍ تتكاثف فيه التحذيرات الدولية من انزلاق السودان إلى هاوية إنسانية غير مسبوقة، تتوالى الشهادات والتقارير التي تضع الجيش السوداني في قلب دائرة الاتهام، ليس فقط كطرف في نزاع مسلح، بل كفاعل مباشر في انتهاكات ممنهجة تستهدف المدنيين والأعيان المدنية بصورة متكررة ومقلقة.
ما جرى في محلية كتم بولاية شمال دارفور قبل أيام ليس حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الوقائع التي ترسم نمطًا واضحًا من الاستهداف المتعمد للمناطق السكنية. تقارير المرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان، إلى جانب روايات محامو الطوارئ وشهادات لجان المقاومة، تكشف عن ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت تجمعًا مدنيًا، قيل إنه حفل زفاف، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا، غالبيتهم من النساء والأطفال. هذه ليست مجرد خسائر جانبية، بل مؤشرات دامغة على استخفاف خطير بحياة المدنيين.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك لا يقتصر على كتم وحدها. فقد أصبحت المستشفيات أهدافًا متكررة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني الذي يمنح المرافق الصحية حصانة مطلقة. كذلك لم تسلم موارد المياه، التي تُعد شريان الحياة لملايين السكان، حيث تعرضت للتدمير أو التعطيل، في محاولة تبدو وكأنها تستهدف خنق المجتمعات المحلية وإجبارها على النزوح.
أما الأسواق، التي تمثل القلب النابض للحياة الاقتصادية والاجتماعية، فقد تحولت إلى ساحات للموت، تُقصف دون تمييز، في مشهد يعكس انعدام أي اعتبار للمدنيين. بل إن المناسبات الاجتماعية، التي يفترض أن تكون لحظات فرح جماعي، لم تسلم من هذا العنف، كما حدث في كتم، حيث تحولت لحظة احتفال إلى مأساة دامية.
ولم تتوقف الانتهاكات عند حدود القصف الجوي والاستهداف المباشر، بل امتدت إلى ممارسات أكثر قسوة في قلب العاصمة الخرطوم. فقد أقدمت السلطات، في سلوك يناقض كل الأعراف والقوانين الإنسانية، على هدم منازل مواطنين ينحدرون من مناطق الهامش، رغم امتلاكهم أوراقًا رسمية تثبت ملكيتهم. تُرك هؤلاء في العراء، بلا مأوى ولا حماية، في مشهد يلخص بوضوح كيف يمكن للسلطة أن تتحول إلى أداة قمع بدلًا من أن تكون مظلة للعدالة.
هذه الوقائع مجتمعة ترسم صورة قاتمة لدور الجيش في هذه الحرب، وتطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الاستراتيجية المتبعة: هل نحن أمام عمليات عسكرية عشوائية، أم سياسة ممنهجة تستهدف تفكيك المجتمعات المحلية وإخضاعها بالقوة؟
في المقابل، تكشف أرقام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عن حجم الكارثة: أكثر من 11.5 مليون نازح ولاجئ، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل دليل حي على فشل ذريع في حماية المدنيين، وعلى كلفة إنسانية باهظة تُدفع يوميًا.
إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط حاضر السودان، بل يقوض مستقبله بالكامل. فالدول لا تُبنى على أنقاض القرى المحروقة، ولا على دماء المدنيين، ولا على تشريد السكان من منازلهم. إن وقف هذه الانتهاكات لم يعد خيارًا، بل ضرورة أخلاقية وقانونية عاجلة، إذا كان ثمة أمل في إنقاذ ما تبقى من هذا الوطن المنكوب.




