رأي

معاييرالعدالة الغائبةلحكومة الوحدة والسلام 

الطيب مادري حسن

 

الطيب مادري حسن 

حسب ماورد في كثير من خطابات حكومة تأسيس، فإن أحد أبرز مبررات الحرب هو غياب العدالة في توزيع السلطة، ووجود تهميش ممنهج طال أقاليم دارفور وكردفان وجنوب كردفان. غير أن الواقع يكشف مفارقة صادمة: الخطاب الذي يدّعي محاربة التهميش، يعيد إنتاجه بصورة أكثر وضوحًا وجرأة.

هذا التناقض لم يعد خافيًا، بل بات ظاهرًا في طبيعة القرارات الأخيرة المتعلقة بتشكيل هياكل الحكم. فبمجرد النظر إلى هذه التشكيلات، يتبادر سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: ما هو المعيار الذي استندت عليه حكومة تأسيس في اختيار ممثلي الأقاليم؟

هل كان المعيار هو الكفاءة؟ أم التمثيل الحقيقي للتنوع الاجتماعي والسياسي؟ أم أن الانتماء الضيق لصناع القرار والولاءات هي التي حسمت الأمر؟ الواقع يشير بوضوح إلى أن ما جرى لا يعكس عدالة التمثيل بقدر ما يعكس إعادة توزيع للإقصاء نفسه، ولكن بوجوه جديدة.

إن المتأمل في طبيعة الاختيارات يلحظ نمطًا متكررًا، يقوم على ترجيح كفة مكونات بعينها، مقابل تغييب واضح لمكونات أخرى، وكأن التنوع الواسع في دارفور وكردفان قد تم اختزاله عمدًأفي شكل من الأشكال لا تعكس حقيقته. التنوع

بل إن الأمر يتجاوز مجرد خلل في التمثيل، ليصل إلى مستوى النهج الممنهج، حيث يبدو أن عملية الاختيار لم تُبنَ على أسس شفافة أو معايير معلنة، وإنما خضعت لحسابات ضيقة تُقصي من لا ينتمي إلى دائرة النفوذ.

ولا يتوقف هذا النهج عند حدود التشكيلات السياسية، بل يمتد إلى التعيينات العسكرية وغيرها، في مشهد يعكس إعادة تشكيل السلطة وفق منطق الإقصاء، لا منطق الشراكة.

إن أخطر ما في الأمر ليس التهميش في حد ذاته، بل تبريره بشعارات العدالة. فحين تُستخدم العدالة كغطاء لإعادة إنتاج نفس الأزمة، فإننا نكون أمام أزمة أعمق من مجرد خلل سياسي، بل أمام غياب حقيقي للإرادة في بناء دولة قائمة على الإنصاف.

وعليه، فإن أي حديث عن إنهاء الحرب أو بناء دولة مستقرة سيظل فارغ المضمون، ما لم تُراجع هذه السياسات، وتُحدد معايير واضحة وعادلة للتمثيل، تقوم على الاعتراف الحقيقي بالتنوع، لا على إعادة تدوير الإقصاء تحت مسميات مختلفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!