
سعد الدين الماحي
كان أول ما سمعه ثوار ديسمبر من جبريل ابراهيم، هو أنه رمى الثوار في ساحة اعتصام القيادة بشهوة البطن بهتاناً وزوراً، واختزل الثورة نفسها في (نظرية مؤامرة) دولية ضد حركته الإسلامية في تسجيل مسرب، دون الحديث عن الأسباب، ودون الحديث عن تجربة إخوان الشياطين نفسها، حين أرهقت في السودان الروح والجسد، وقتلت السودانيين على رؤوس الأشهاد، ومنهم (خليل ابراهيم)، شقيق (جبريل) نفسه، والذي لا يزال يرتزق بدمه المسفوك قرباناً لاستمرار مشروع إجرامي، يقوم (جبريل) حالياً على حمايته. والقائد الحق لا يقبل أن يكون ديوثاً.
(لقوا الأكل والشاشات وتاني بقى مافي سبب يخليهم يفروا)، يتحدث (جبريل) بهوى نفسه عن ثورة ديسمبر فيناصبها العداء ابتداءً، وعن أصالة، قبل أن يتخذها سبيلاً للثراء، ويواصل العمل على تقويضها بعد أن تم إدخاله لمخزن العلف، وزيراً للمالية.
فكان (جبريل) من أكبر معوقات الانتقال، قال أنه (جاء ليدافع عن الدين والقرآن)! وبدأ بالتواصل مع فلول النظام البائد، يدني قتلة شقيقه منه، ويطمئنهم بأن لن يطالهم العقاب، فكافؤوه بأن أبقوا عليه في منصبه بعد انقلاب الإخوان في الخامس والعشرين من أكتوبر، على حكومة حمدوك المدنية.
وبعد أن أشعلت الحركة الإسلامية حرب الخامس عشر من أبريل، كان (جبريل) من أوائل الهاربين إلى بورتسودان لنقل العاصمة، وبلغ فساده مبلغاً أزكم الأنوف، ودخل في علم الكافة. وتشبث جبريل بالمالية بأساليب شتى منها التهديد والرشاوي، والإغداق على كبار موظفي الخدمة المدنية من مفصولي لجنة تفكيك التمكين، والذين أعادهم الانقلاب للخدمة، فاشتروا الدور في السودان وخارجه، وركبوا الفارهات من السيارات، ونشأت طبقة من المستفيدين من وجود (جبريل)، ما جعل من الخدمة المدنية في سنوات الحرب باباً للثراء الحرام والسريع، حتى طالت العقوبات الدولية، وزير مالية بورتسودان، وصار عبئاً على حلفائه.
سيطرت الشللية المحسوبة على الحركة الإسلامية على الخدمة المدنية في السودان في عهد (جبريل)، فظهر مصطلح (الحلة) بمعنى احتكار مجموعة بعينها من كبار الموظفين العمل في كل مؤسسة، ومن المصطلح يفهم أن المؤسسة أو الفرع المعين هي عبارة عن (وليمة) محددة الضيوف والمدعويين.
وما بين فساده الذي صار معلوماً بالضرورة والعقوبات الدولية التي يرزح تحتها، يحاول (جبريل) إيجاد الحل لمعادلة مستحيلة، ويسعى للبقاء في منصبه بأي ثمن، ودون اعتبار للعواقب – على طريقة الحركة الإسلامية في التفكير – فيصطدم بالواقع، ويمضي للمساومة على منصب نائب رئيس الوزراء، ما دام قادراً على الوصول للمال من خلاله.
واليوم وبعد أن وجد جبريل إبراهيم من أمره رهقاً في الاحتفاظ بمنصبه، وشك في إمكانية إطالة عمر إمساكه بخزينة السودان أكثر مما طال، ذهب للقول بأن مكتسباته الدستورية لم يمنحها له البرهان، ولا كامل إدريس، بل منحتها له ثورة ديسمبر من خلال سلام جوبا! مؤكداً ألا مجال لإعادة النظر فيها. وهدد جبريل بالخروج من الوزارة، بل والانسحاب من الحكومة بمجملها، وانسحاب قواته من كافة المناطق التي تقع تحت سيطرة الجيش.
فاليوم وبعد ما يزيد على الأربع سنوات من انقلاب أكتوبر، ينتبه جبريل أنه جاء برافعة من ديسمبر الميمون، لكنه ينسى أنه طعن هذه الثورة في خاصرتها باعتصام الموز الشهير، الذي نادى بإزهاق الثورة، وطالب بصدور بيان الانقلاب عليها، لتنتهي علاقة جبريل بالثورة عند هذا الحد، ويتبين موقفه منها منذ لحظة اندلاعها وحتى إجهاضها، والذي ساهم فيه بقدر غير يسير.
ويتحدث جبريل عن إعادة صياغة تموضعه السياسي، والمضي قُدماً نحو إبرام تحالفات مع الأطراف التي يرى فيها انسجاماً مع مصالحه، لأن العمل السياسي – بحسب رأيهو – بطبيعته المتغيرة والديناميكية، لا يُقر بوجود خصومة دائمة، ولا بتحالف أبدي!
يسمي جبريل طعنه للثورة في ظهرها والتحالف مع قوى الردة ضدها بالتموضع السياسي، ويسمي سرقته للمال العام عملاً سياسياً، ويريد أن يبرم تحالفاً – أي ينشئ عصابة أخرى – ممن يقبلون اقتسام الغنيمة معه في لعبة خطرة، قد تودي به على يد رفاقه من القتلة في تحالف بورتسودان، أو بيد غيرهم حال فقدانه لمنصبه، وتطور العقوبات الدولية ضده، وتقييد ماله وحركته.
أراد (جبريل) أن يواصل التكسب بدم شقيقه بعد أن ورث عنه حركة تدر المال عبر الارتزاق، وحاول التقرب من قاتليه بشتى القرابين. لكنهم وعلى الرغم من كل ذلك لفظوه، وهو اليوم في طريقه لمغادرة منصبه، ومن المؤكد أنه سيلاحق من قبل المحاكم المحلية والدولية، فلا يعدو (جبريل) أن يكون مجرماً، لم تطاله بعد يد العدالة.




