رأي

الشهادة السودانية: من استحقاقٍ تعليمي إلى أداة ضغط في زمن النزاع

نجوي بابو

 

نجوى بابو

في خضم الجدل المتصاعد حول واقع التعليم في السودان، لم تعد “الشهادة السودانية” مجرد محطة أكاديمية فاصلة، بل غدت عنوانًا لأزمة حقوقية مركّبة تمس جوهر العدالة وتكافؤ الفرص. فحين يُحرم الطفل من مقعده الدراسي أو من الجلوس لامتحان يحدد مستقبله، فإن المسألة لا تقف عند حدود الخلل الإداري، بل ترتقي إلى مستوى الانتهاك الصريح لحق أصيل، كرّسته المواثيق الدولية وأكدته التشريعات الوطنية.

من حيث المبدأ، لا خلاف على أن التعليم حق أساسي غير قابل للمساومة أو الانتقاص. فقد أرست اتفاقية حقوق الطفل مبدأ عدم التمييز، وأقرت الحق في التعليم بوصفه مدخلًا لتنمية القدرات الإنسانية وصون الكرامة. كما عززت البروتوكولات الملحقة بها هذا الإطار، مشددة على ضرورة تحييد الأطفال عن آثار النزاعات المسلحة، وضمان استمرار تمتعهم بحقوقهم الأساسية دون تعطيل أو استغلال.

وعلى المستوى الوطني، جاء قانون الطفل السوداني لسنة 2010 ليترجم هذه الالتزامات إلى واجبات قانونية واضحة، مُقرًّا بالتعليم المجاني والإلزامي، وملزمًا الدولة بإزالة كافة العوائق التي تحول دون تمتع الأطفال بهذا الحق، دون تمييز أو إقصاء.

غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في النصوص، بل في الممارسة. فالشهادة السودانية، بوصفها أداة تنظيمية يفترض أن تُحقق الإنصاف وتكافؤ الفرص، تحوّلت في بعض السياقات إلى وسيلة إقصاء فعلي، في ظل واقعٍ حُرم فيه آلاف الطلاب في ولايات كردفان ودارفور والنيل الأزرق من التعليم ومن الجلوس للامتحانات لسنوات متتالية. وهو وضع يطرح تساؤلات عميقة حول مدى التزام الدولة بمسؤولياتها القانونية والأخلاقية.

وتزداد خطورة هذا الواقع مع بروز اتهامات باستخدام تنظيم أو تعطيل الامتحانات كأداة ضغط ضمن سياق النزاع، بما يُدخل العملية التعليمية في دائرة التسييس. إن تحويل الامتحانات إلى وسيلة تأثير أو ابتزاز يضع الأطفال في قلب الصراع، في انتهاك واضح لمبادئ القانون الدولي الإنساني التي تفرض حماية خاصة للأطفال، وتوجب تحييد المؤسسات التعليمية عن التجاذبات السياسية والعسكرية.

ولا تقف تداعيات هذا المسار عند حدود الحاضر، بل تمتد لتؤسس لاختلالات هيكلية بعيدة المدى. فحرمان جيل كامل من التعليم لا يعني فقط فقدان سنوات دراسية، بل يفضي إلى تقويض فرص التنمية، وتعميق فجوات عدم المساواة، وإضعاف البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة على المدى الطويل.

كما أن استمرار هذا الوضع يفتح الباب أمام مساءلة قانونية جدية، إذ تلتزم الدول، بموجب اتفاقية حقوق الطفل، باتخاذ كافة التدابير لضمان استمرارية التعليم حتى في ظروف النزاع. ويحمّل قانون الطفل السوداني الدولة مسؤولية مباشرة عن أي إخفاق يؤدي إلى حرمان الأطفال أو التمييز بينهم، ما يجعل أي انتهاك في هذا السياق محل مساءلة أمام الآليات الوطنية والدولية.

إن أخطر ما في هذه القضية ليس فقط ضياع الفرص الفردية، بل تكريس واقع من الإقصاء البنيوي يهدد مستقبل البلاد. فالتعليم ليس مجرد خدمة عامة، بل هو ركيزة أساسية للعدالة والاستقرار، وأداة مركزية لبناء دولة القانون.

وعليه، فإن أي خطاب سياسي—مهما كانت مرجعياته—لا يجوز أن يخلط بين السلطة والحق. فالدولة لا تمنح التعليم كامتياز، بل تلتزم به كواجب قانوني وأخلاقي. والشهادة السودانية ليست منحة تُعطى أو تُمنع، بل تجسيد مؤسسي لحق لا يجوز مصادرته أو توظيفه في سياقات الصراع.

في المحصلة، يظل المبدأ واضحًا وغير قابل للتأويل: التعليم ليس سلاحًا، ولا ورقة تفاوض، ولا أداة إقصاء. إنه حق أصيل يجب أن يُصان في كل الظروف، لا سيما في أزمنة النزاع. وأي مساس به—تعطيلاً أو تمييزًا أو تسييسًا—يمثل انتهاكًا يستوجب المساءلة. فالدول تُقاس بقدرتها على حماية حقوق أطفالها، لا بمدى سيطرتها على مصائرهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!