رأي

القائد سلفاكير ميارديت..  من دروب النضال المسلح إلى قيادة الدولة الوليدة

مايكل كريستوفر

 

  مايكل كرستوفر جوبا

يُعدّ الجنرال سلفاكير ميارديت واحدًا من أبرز القادة التاريخيين الذين ارتبطت أسماؤهم بمسيرة نضال شعب جنوب السودان من أجل الحرية والسلام وتقرير المصير. فقد لعب دورًا محوريًا في تأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، وأسهم عبر مسيرته العسكرية والسياسية الطويلة في قيادة التحولات الكبرى التي انتهت بقيام دولة جنوب السودان المستقلة عام 2011، ليصبح أول رئيس في تاريخها الحديث.

وُلد سلفاكير ميارديت في الثالث عشر من سبتمبر عام 1951 في قرية أكون بمنطقة قوقريال باقليم بحر الغزال، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة وسط أسرة عُرفت بالعمل والاجتهاد والارتباط بالأرض والمجتمع. ومنذ سنواته المبكرة، تشكل وعيه الوطني في ظل الظروف السياسية التي عاشها جنوب السودان، فاختار الانخراط مبكرًا في مسيرة الكفاح دفاعًا عن حقوق شعبه وطموحاته في الحرية والكرامة.

في ستينيات القرن الماضي، التحق بحركة “الأنانيا”، التي مثلت أول تعبير منظم عن نضال الجنوبيين، واكتسب خلالها خبرات عسكرية وسياسية مبكرة. وبعد اتفاقية أديس أبابا عام 1972، واصل مسيرته العسكرية بروح الانضباط والالتزام، الأمر الذي أهله لاحقًا للقيام بأدوار قيادية مؤثرة.

ومع اندلاع الحرب الأهلية الثانية عام 1983، كان سلفاكير من بين القادة المؤسسين للحركة الشعبية لتحرير السودان إلى جانب الدكتور جون قرنق دي مبيور، حيث ساهم في بناء الحركة وتنظيم صفوفها، وأصبح من أبرز قياداتها العسكرية والسياسية. وعُرف خلال سنوات الكفاح الطويلة بشجاعته وهدوئه وقدرته على الحفاظ على وحدة الصف، إلى جانب إيمانه العميق بقضية شعب جنوب السودان وحقه في تقرير مصيره.

تولى سلفاكير مواقع قيادية مهمة داخل الجيش الشعبي لتحرير السودان، وكان له دور بارز في إدارة العمليات العسكرية وفي تعزيز تماسك الحركة الشعبية خلال أصعب المراحل. وقد اكتسب احترام رفاقه وقواعد الحركة لما عُرف عنه من تواضع وقرب من المقاتلين وحرص على العمل الجماعي وروح المسؤولية الوطنية.

وبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، دخل سلفاكير مرحلة جديدة من العمل السياسي، حيث تولى قيادة الحركة الشعبية بعد رحيل الدكتور جون قرنق، وقاد المرحلة الانتقالية بحكمة واتزان، محافظًا على مشروع السلام ومواصلة مسيرة التحول السياسي التي قادت إلى استفتاء تقرير المصير.

وفي عام 2011، تحقق الحلم التاريخي بإعلان استقلال جنوب السودان، ليصبح سلفاكير ميارديت أول رئيس للجمهورية الوليدة، ويقود مرحلة بناء مؤسسات الدولة الجديدة وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي. وقد ظل طوال مسيرته السياسية يؤكد أهمية السلام والوحدة الوطنية والمصالحة بين مكونات المجتمع، باعتبارها أسسًا ضرورية لبناء وطن مستقر وآمن.

ويتميز سلفاكير بشخصية هادئة وقريبة من الناس، كما يُعرف بتمسكه بالقيم الوطنية وإرث الحركة الشعبية. وأصبحت قبعته السوداء الشهيرة رمزًا ملازمًا لحضوره السياسي، بينما بقي اسمه مرتبطًا في ذاكرة كثير من الجنوبيين بسنوات النضال الطويلة والتضحيات التي سبقت ميلاد الدولة.

لقد شكّل سلفاكير ميارديت نموذجًا للقائد الذي انتقل من ساحات الكفاح المسلح إلى قيادة الدولة، وظل حاضرًا في مختلف المحطات التاريخية التي مر بها جنوب السودان. وتبقى سيرته جزءًا مهمًا من ذاكرة النضال الوطني ومسيرة تأسيس الدولة، بما تحمله من معانٍ تتصل بالصبر والإصرار والإيمان بحق الشعوب في الحرية والاستقلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!