المرأة السودانية تقاوم الترهيب والإقصاء: العنف السياسي ضد النساء بين الخرطوم وأكسفورد(٢)
نجوي بابو

نجوي بابو
التحية والتقدير لنساء أكسفورد المناصرات لقضايا العدالة وحقوق الإنسان، واللواتي واجهن بوعي وسلمية وفكر حر محاولات الترهيب والتشويش من وفد يمثل سلطة الأمر الواقع في السودان، المؤسس على انقلاب أطاح بالثورة السودانية، وما ترتب عليه من قتل وتشريد ورفض متكرر لأي مسار حقيقي للسلام.
وكامل التضامن والمناصرة مع كل النساء اللائي تعرضن لأي شكل من أشكال العنف اللفظي أو الجسدي أو الترهيب خلال فعاليات عامة في مدينة أكسفورد، في واقعة موثقة لدى الشرطة البريطانية، بما يعكس خطورة تصاعد أنماط العنف السياسي القائم على النوع الاجتماعي خارج حدود السودان أيضًا.
إن ما تتعرض له النساء السودانيات في المجال العام، داخل السودان وخارجه، هو نمط ممنهج من العنف السياسي والاجتماعي، تُستخدم فيه أدوات متعددة تبدأ بالتشهير والإساءة اللفظية، وتمتد إلى التهديد والترهيب النفسي والاجتماعي، وقد تصل في بعض الحالات إلى الاعتداء الجسدي أو الانتهاك الجنسي، بهدف واضح يتمثل في إقصاء النساء وإخافتهن ودفعهن للانسحاب من الفضاء العام ومواقع التأثير وصناعة القرار.
وقد ازداد هذا النمط خطورة مع امتداد ممارساته إلى خارج السودان، حيث باتت بعض الفعاليات والفضاءات العامة في دول ديمقراطية مثل المملكة المتحدة مسرحًا لسلوكيات لا يمكن فصلها عن مناخ سياسي واجتماعي أوسع يعيد إنتاج العنف ضد النساء بأشكال جديدة. وفي هذا السياق، شهدت مدينة أكسفورد مؤخرًا واقعة اعتداء موثقة لدى الشرطة البريطانية، تعرضت خلالها امرأة سودانية لاعتداء لفظي وجسدي وتهديد مباشر أمام الحضور من أحد أعضاء وفد مرتبط بسلطة سياسية سودانية قائمة. إن إحالة الواقعة إلى الشرطة البريطانية يخرجها من دائرة الجدل السياسي إلى دائرة المسؤولية القانونية التي تستوجب التحقيق والمساءلة وفق القوانين المعمول بها.
إن خطورة هذه الحادثة لا تكمن فقط في فعل الاعتداء ذاته، بل في ما يكشفه من محاولة لاستخدام العنف كأداة سياسية لإعادة إنتاج الخوف داخل الجاليات السودانية، وبالأخص ضد النساء الناشطات في الشأن العام. فحين يتحول الجسد والسمعة والحضور الاجتماعي للمرأة إلى ساحة استهداف، فإننا لا نكون أمام خلاف سياسي، بل أمام محاولة ممنهجة لتقييد المشاركة السياسية للنساء عبر أدوات الترهيب والإذلال المعنوي والتشهير، وهي أدوات تتعارض جوهريًا مع مبادئ العدالة والمساواة وحرية التعبير والمشاركة العامة.
كما أن أي تورط محتمل لأشخاص يرتبطون بمؤسسات رسمية أو دبلوماسية في مثل هذه السلوكيات يثير أسئلة بالغة الخطورة حول استغلال النفوذ السياسي والرمزي خارج حدوده القانونية والأخلاقية، ويضع هذه الأفعال في سياق يتعارض مع القوانين البريطانية التي تجرّم الاعتداء والتهديد والتحرش وخطاب الكراهية، خصوصًا حين يكون مبنيًا على النوع الاجتماعي أو يستهدف فئة بعينها بهدف إسكاتها وإقصائها من المجال العام.
إن استمرار هذا النمط من العنف، سواء داخل السودان أو خارجه، لا يهدد فقط سلامة النساء، بل يضرب أسس المشاركة المدنية ويقوض أي حديث عن ديمقراطية أو عدالة انتقالية أو بناء دولة قانون. فالمجتمع الذي يسمح بتحويل النساء إلى أهداف مباحة للتشهير والترهيب يفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج فضاء عام آمن وعادل، ويعيد إنتاج علاقات القوة القائمة على الإخضاع بدل التعاقد الاجتماعي والمواطنة المتساوية.
وفي مواجهة هذا الواقع، يصبح من الضروري أن تتوحد النساء السودانيات في المملكة المتحدة، إلى جانب القوى الحقوقية والمدنية، في موقف منظم وواضح يضع حدًا لهذا النوع من الانتهاكات، ليس فقط عبر التضامن الرمزي، بل عبر آليات قانونية وإعلامية ومجتمعية قادرة على التوثيق والمساءلة والحماية. كما يصبح من المهم تعزيز قنوات التواصل مع المؤسسات البريطانية المختصة لضمان عدم إفلات أي طرف من المساءلة، وتوفير بيئة آمنة تحمي النساء من أي شكل من أشكال العنف أو التهديد.
إن الصمت على هذه الممارسات لم يعد يمكن اعتباره حيادًا، بل هو في جوهره شكل من أشكال القبول الضمني باستمرارها. فالنساء السودانيات، داخل السودان وخارجه، لسن أطرافًا هامشية في المجال العام، بل هن فاعلات أساسيات في السياسة والمجتمع والاقتصاد، وقد دفعن أثمانًا باهظة في سبيل الحرية والكرامة والعدالة، ولا يمكن اختزال حضورهن أو إسكات أصواتهن عبر أدوات العنف أو التخويف أو التشهير.
وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية ليست بين رجال ونساء، بل بين من يؤمن بالمواطنة المتساوية وسيادة القانون، ومن يسعى لإعادة إنتاج منطق الهيمنة والإقصاء. وهذه المعركة، رغم قسوتها، تؤكد أن حضور المرأة السودانية في المجال العام لم يعد قابلاً للتراجع، وأن محاولات إسكاتها بالعنف لن تنتج إلا مزيدًا من الإصرار على الاستمرار والمواجهة.




