رأي

كهرباء الفولة… المعركة التي ستحدد شكل الدولة

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

أي سلطة تريد إثبات أنها جاءت لتأسيس السودان عليها أن تبدأ من الفولة.

هناك حيث النفط والغاز والثروة الحيوانية والأرض الواسعة ثم الظلام.

عقود كاملة مرّت وغرب السودان يؤدي دور الخزان المفتوح تخرج منه الموارد وتعود إليه الوعود.

ولهذا فإن مشروع كهرباء الفولة يتجاوز فكرة الخدمات والبنية التحتية.

المشروع يضع سؤالًا مباشرًا أمام أي سلطة جديدة هل توجد إرادة لبناء دولة إنتاج حقيقية أم إعادة تدوير السودان القديم.

السودان لم يفشل بسبب الفقر بل بسبب إدارة الثروة بعقلية الغنيمة.

الكهرباء تعني حركة الاقتصاد نفسها.

مصانع تبريد مياه مستشفيات اتصالات ورش واستقرار اجتماعي.

وفي الوقت الذي يعيش فيه الناس تحت العتمة يستمر حرق الغاز المصاحب للنفط في الهواء كأن البلاد تملك فائضًا من الثروات والطاقة.

ذلك الغاز وحده قادر على تشغيل محطات كاملة إذا خرج الملف من عقلية الشعارات إلى عقلية التنفيذ.

المطلوب ليس مؤتمرات ولا احتفالات افتتاحية.

المطلوب دخول الكهرباء فعليًا إلى الأرض.

محطات صغيرة سريعة توربينات متنقلة شبكات تدريجية وطاقة شمسية تبدأ فورًا بدل انتظار المشاريع المؤجلة التي تبتلعها اللجان والنزاعات والفساد.

كذلك فإن المشروع لا يحتاج رهن السودان لقروض جديدة تستنزف الأجيال القادمة.

توجد نماذج تمويل أكثر ذكاءً.

BOT.

PPP.

وعقود شراء الطاقة.

تبني الشركات المحطات تسترد تكلفتها من التشغيل ثم تنتقل الأصول للدولة.

هكذا تُبنى المشاريع في الدول التي تفكر بعقل الاقتصاد لا بعقل الاستدانة الدائمة.

ويمكن كذلك فتح شراكات إقليمية ذكية مع Ethiopia في مجالات الطاقة والإدارة الفنية والربط الكهربائي ونقل الخبرات.

العلاقات الإقليمية الناجحة تُبنى بالمصالح المشتركة لا بالشعارات والانفعالات السياسية.

لكن أي شراكة يجب أن تقوم على الإنتاج ونقل الخبرة لا تحويل السودان إلى مستورد دائم للكهرباء بينما موارده تُهدر داخليًا.

كذلك فإن أي تمويل بلا إدارة مستقلة سيتحول إلى نسخة جديدة من الكارثة السودانية المعتادة.

المطلوب صندوق واضح للطاقة والإنتاج تدخل إليه عائدات النفط والاستثمار ويُدار بعقلية مهنية لا بعقلية المحاصصة.

نجاح كهرباء الفولة سيغيّر شكل الاقتصاد في غرب السودان بالكامل.

الثروة الحيوانية ستدخل مرحلة التصنيع والتبريد بدل البيع الخام.

الزراعة ستتحرك.

المصانع ستظهر.

وفرص العمل ستتوسع خارج اقتصاد الحرب والمساعدات.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمشروع تحويل غرب السودان من منطقة استخراج موارد إلى مركز إنتاج فعلي.

وأي سلطة تنجح في ذلك ستكسب شرعية أقوى من آلاف الخطب السياسية لأن المواطن يرى الدولة في الكهرباء والمياه والعمل لا في البيانات الرسمية.

كذلك فإن حماية المشروع لا تُفهم كمسألة أمنية فقط بل كمسؤولية دولية مرتبطة باستقرار البنية التحتية في مناطق النزاع.

ويتم التعامل معه ضمن مفهوم حماية مشاريع التنمية بحيث يُدعم عبر برامج الأمم المتحدة الإنمائية ووكالات التمويل الدولية مع التأكيد على عدم استهدافه أو تعطيله وضمان استمراره كمشروع إنتاج لا يُستخدم كجزء من الصراع.

كذلك فإن حماية المشروع تبدأ من الناس أنفسهم.

تشغيل الشباب المحلي إشراك المجتمعات وربط المواطنين بعائد التنمية سيجعل المجتمع يتحول تلقائيًا إلى حارس للمشروع.

ثم تأتي الشمس المورد الذي ظل السودان يتعامل معه بكسل مزمن.

غرب السودان يملك واحدًا من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في أفريقيا ومع ذلك ما زالت الطاقة الشمسية خارج الأولويات الحقيقية.

بينما يمكنها تشغيل المدارس والمستشفيات ومشاريع المياه خلال فترة قصيرة وبتكلفة أقل من استمرار الفوضى الحالية.

كهرباء الفولة لا تمثل مشروعًا فنيًا فقط إنها اختبار سياسي واقتصادي كامل.

ومن يريد بناء السودان الجديد عليه أن يبدأ من المكان الذي ظل يمد الدولة بالحياة وينتظر نصيبه من الدولة في ظلام ممتد.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الحوجة العملية حالياً هي إنشاء محطات توليد الطاقة الشمسية الصغيرة، والتي يمكنها حل جزء من الإظلام التام الذي تعاني منه مناطق دارفور وكردفان، ويمكن الإستفادة منها في مشاريع الصناعات الصغيرة، ومشاريع الإنتاج.

    التوليد الحراري مكلف نوعا ما، علي الأقل حالياً، ولربما نحتاجه لحظة توفير مصفاة صغيرة بمناطق إنتاج البترول،،،

    كذلك طاقة الرياح الأكثر كفاءة بمناطق كردفان ودارفور، وميزتها إستدامتها حتي ليلاً وعدم إرتباطها بالشمس كميزة إضافية تزيد من فعاليتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!