رأي

جولة كامل إدريس.. عزلة تتجول بلا أبواب

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

حين تفقد السلطة مشروعها الأخلاقي، تصبح كل العواصم بعيدة

لم تحمل جولة رئيس وزراء سلطة بورتسودان كامل إدريس إلى روما وأكسفورد أي اختراق سياسي أو دبلوماسي حقيقي، بل كشفت بصورة أكثر وضوحاً حجم العزلة التي أصبحت تحاصر السلطة في الخارج، بعدما تحولت إلى عنوان دائم للحرب والانتهاكات والفشل السياسي.

الزيارة التي حاولت دوائر السلطة تقديمها كتحرك خارجي مهم انتهت بلا نتائج ملموسة، رغم الجهود التي بذلها مستشارون مقربون من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان لفتح قنوات اتصال مع مؤسسات أوروبية مؤثرة. لكن الواقع جاء قاسياً؛ فلا أوروبا أبدت استعداداً للتعامل الجاد مع السلطة، ولا المؤسسات الدولية أظهرت رغبة في منحها أي مساحة سياسية ذات قيمة.

في روما، بدت التحركات محدودة السقف، أقرب إلى محاولات تحسين صورة سلطة تواجه اتهامات متصاعدة بسبب الحرب والانتهاكات الإنسانية الواسعة. وحتى المساعي التي جرت لترتيب لقاء مع البابا في الفاتيكان لم تتجاوز حدود الاتصالات البروتوكولية الباردة، في مؤشر واضح على أن المؤسسات الدولية الكبرى باتت أكثر حذراً من الارتباط بسلطة تلاحقها الانتقادات الحقوقية والسياسية.

أما محطة المملكة المتحدة، فقد جاءت أكثر تعبيراً عن حجم التراجع السياسي الذي تعانيه السلطة. فالمشاركة في فعالية نظمها اتحاد طلبة جامعة أكسفورد لم تستطع جذب أي اهتمام سياسي أو إعلامي مؤثر، بينما غابت تماماً اللقاءات مع الحكومة البريطانية أو البرلمان أو مراكز التأثير المعروفة في لندن.

المشهد بدا أكثر إحراجاً إذا ما قورن بتحركات قوى سياسية سودانية أخرى تمكنت من عقد لقاءات مباشرة مع مسؤولين في الخارجية البريطانية وأعضاء في مجلسي العموم واللوردات، ما يعكس بوضوح الفارق بين من يمتلك مشروعاً سياسياً يجد آذاناً مصغية، ومن بات يُنظر إليه باعتباره امتداداً لأزمة دامية أنهكت السودان.

العالم اليوم لا يبتعد عن سلطة بورتسودان بسبب سوء التنسيق الدبلوماسي فقط، بل لأن هذه السلطة أصبحت مرتبطة في الوعي الدولي بصور القصف والدمار والنزوح والانهيار الإنساني. ولهذا تبدو كل محاولات التجميل السياسي عاجزة عن إخفاء الحقيقة الأساسية: لا يمكن لسلطة مثقلة بملفات الحرب والانتهاكات أن تنتزع احترام العالم عبر الجولات الخارجية.

لقد كانت زيارة كامل إدريس محاولة للهروب من واقع العزلة، لكنها انتهت بتأكيد هذا الواقع بصورة أكثر وضوحاً. فالعواصم التي كانت تفتح أبوابها للسودان بوصفه دولة ذات وزن إقليمي، أصبحت اليوم تتعامل بحذر شديد مع سلطة فقدت ثقة الداخل، وفشلت حتى في إقناع الخارج بأنها تملك ما يستحق الدعم أو الرهان عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!