رأي

ظلال المركز: قراءة في تشريح الهيمنة ومتاهة العدالة في السودان 

فحيح الافعي :محمد البخيت 

 

فحيح الافعي :محمد البخيت 

لا ينبغي أن يكون الحديث عن النخبة المركزية في السودان، وتحديداً تلك التي تشكلت ملامحها حول حوض النيل الشمالي، مدعاة للتحسس أو الاستنفار العاطفي. إننا لا نتحدث هنا عن إدانة جغرافية أو تجريم لانتماء، بل نضع المشرط على جسد واقع سياسي واجتماعي معاش، واقع تجذرت فيه الهيمنة وتكويش السلطة والثروة منذ أن رُفع علم الاستقلال. إن تفكيك هذا الواقع هو الخطوة الأولى نحو فهم أزمة الدولة السودانية، وهو تشخيص ضروري لا يقصد به النيل من مكون بعينه، بل يسعى لتحرير الوطن بأسره من قبضة الامتياز التاريخي الذي أورثنا هشاشة الانتماء واحتراب الهوامش.منذ فجر الاستقلال، وجدت النخبة المركزية نفسها وريثة شرعية لهياكل دولة تركها المستعمر، فاستحوذت على مفاصل الإدارة، والتعليم، والاقتصاد. لم يكن هذا الاستحواذ مجرد صدفة تاريخية، بل كان نتاجاً لسياسات تمركزت حول العاصمة ومحيطها النيلي، تاركة بقية أطراف البلاد في ظلام التهميش. ومع تعاقب الأنظمة، ظلت هذه النخبة تعيد إنتاج نفسها، محتفظة بمفاتيح اللعبة السياسية، ومكرسة لنهج إقصائي جعل من الدولة السودانية ضيعة مغلقة على أبنائها.وعندما أطلت الإنقاذ بوجهها الأيديولوجي، لم تكن سوى تجلٍّ جديد وأكثر قتامة لهذه الهيمنة. جاء الإسلامويون (الكيزان) ليعظموا من هذا الاستحواذ عبر سياسة التمكين ، التي لم تكن في جوهرها سوى إعادة توزيع لغنائم الدولة داخل الدائرة الضيقة ذاتها. لقد صبت سياسات التمكين، في نهاية المطاف، في مصلحة أبناء النخبة المركزية الموالين للنظام، مما عمق من جراح التفاوت ووسع من هوة الغبن الاجتماعي.حتى عندما حاولت الدولة تجميل وجهها القابض باعتماد نظام الحكم الاتحادي وتأسيس الولايات، لم يكن ذلك سوى مسرحية سياسية رديئة الإخراج. فقد ظلت يد النخبة المركزية قابضة بقوة على خناق الأوضاع في كل ولاية، ولم يكن الحكم اللامركزي سوى قناع يخفي وراءه مركزية أشد وطأة. تجلى هذا التحكم عبر ما عُرف بـ اللجنة الأمنية ، وهي المطبخ الحقيقي لصنع القرار في الولايات.تتكون هذه اللجنة من أربعة أضلاع حديدية:

قائد الفرقة العسكرية،

مدير الشرطة،

رئيس الأجهزة العدلية،

ومدير جهاز الأمن.

بالإضافة إلى الوالي

وفي مشهد عبثي متكرر في كل ولايات السودان، كانت هذه الأضلاع الأربعة تنحدر في الغالب الأعم من أبناء نخب الشمال النيلي. أما الوالي، الذي يُفترض أن يكون الممثل الأول لمواطني الولاية، فلم يكن سوى رمزية مزيفة، و واجهة بلا صلاحيات حقيقية، يقف عاجزاً أمام سطوة مجموعة الأربعة صاحبة القرار الفعلي.

الجذر الحقيقي في ظل الهيمنة المركزيةأضلاع السلطة الفعلية

الاربعة في الولايات

اللجنة الأمنية و ادوارها

السيطرة على القوة الصلبة وتوجيه المسار الأمني بما يخدم المركز.

قائد الفرقة العسكرية الرقابة السياسية وقمع أي حراك يهدد مصالح النخبة الحاكمة.

مدير الأمن لضبط الإيقاع الداخلي وحماية مؤسسات الدولة العميقة.

مدير الشرطة ذراع قانوني

رئيس الأجهزة العدلية توفير الغطاء القانوني لقرارات اللجنة الأمنية و تمرير سياسات المركز.

الوالي الواجهة السياسية

تمثيل صوري و صلاحيات مقيدة بقرارات اللجنة الأمنية

هذا الواقع المرير عايشه السودانيون جميعاً؛ فكل ولايات السودان، من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها، كانت تُحكم بنفس العقلية، وبنفس نهج الهيمنة والتحكم. إنه الامتياز الموروث الذي ارتكز على مجموعات إثنية معينة ومن جهة جغرافية واحدة، محولاً التنوع السوداني الثري إلى لعنة، والمواطنة إلى درجات متفاوتة.إن كل ما يطلبه الشعب السوداني اليوم، وكل ما هتف به الثوار في الشوارع، و حملوا من اجله السلاح هو مطلب إنساني وسياسي بسيط وعميق في آن واحد: تأسيس دولة العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات. دولة لا يُسأل فيها المواطن عن قبيلته أو جهته قبل أن يُمنح حقه، دولة تكون فيها الكفاءة هي المعيار الوحيد للترقي وتولي المناصب.ولكن، وكما هو متوقع من كل سلطة استمرأت الامتياز، أظهرت النخب المركزية ممانعة شرسة ضد أي محاولة لإحداث تغيير حقيقي. لقد وقفت هذه النخب، منذ اللحظة الأولى، سداً منيعاً أمام رغبة الشعب في الانعتاق. ولم تكتفِ بالممانعة السياسية، بل احتمت بالجيش، محولة إياه من مؤسسة وطنية حامية للحدود، إلى حارس لامتيازها التاريخي وحامٍ لمصالحها الاستراتيجية.إن تفكيك هذه البنية المعقدة من الهيمنة ليس استهدافاً لأحد، بل هو إنقاذ للجميع. فاستمرار هذا النهج الإقصائي لن يولد سوى المزيد من التشظي والحروب. إن السودان الجديد الذي نحلم به لا يمكن أن يُبنى على أنقاض المظالم القديمة، بل يتطلب شجاعة استثنائية للاعتراف بالخطأ التاريخي، وإرادة وطنية صادقة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس من العدالة، والمساواة، والشراكة الوطنية ‘

وهكذا ”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!