
مكين حامد تيراب
إن استهداف جيش الحركة الإسلامية الإخوانية الإرهابية لكبري أردمتا بمدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، ليس مجرد عملية عسكرية عابرة، بل هو استهداف ممنهج للحياة نفسها، ومحاولة متعمدة لتوسيع دائرة القتل والتشريد وتعطيل سبل العيش وتدمير ما تبقى من البنية التحتية في السودان المنكوب بالحرب.
هذا النهج لم يبدأ اليوم، بل ظل حاضراً منذ الساعات الأولى للحرب، حيث اختارت هذه الجماعات أن تجعل من المدنيين أهدافاً مباشرة، ومن المرافق الحيوية ساحات للخراب، خدمةً لمشروع قائم على الفوضى والعنف وإدامة دولة الاستبداد التي عطّلت الاستقرار والتنمية لعقود طويلة.
كبري أردمتا ليس مجرد جسر إسمنتي، بل هو شريان الوصول الإنساني نحو ملايين المحتاجين في دارفور وكردفان والمناطق المحررة. إن قصفه بالطيران والمسيرات يمثل محاولة واضحة لخنق الإغاثة وتجويع المدنيين وقطع طرق النجاة أمام النساء والأطفال والمرضى وكبار السن. إنها حرب ضد الإنسان السوداني في أبسط حقوقه بالحياة والأمان والغذاء والدواء.
وما يزيد المشهد قسوة أن هذه الجرائم تتم بدعم معلوم من قوى ودول اختارت أن تساند مشروع الدمار، بينما يواصل المجتمع الدولي والإقليمي صمته المخزي، مكتفياً بالمراقبة وإصدار بيانات باهتة لا توقف نزيف الدم ولا تحاسب المجرمين.
لكن أردمتا، المدينة الجميلة، أثبتت أنها أكبر من الخراب. فهذه المدينة التي يحاولون كسر إرادتها، وقف أبناؤها المهندسون والفنيون والعمال قبل أيام ليشيدوا هدام وادي كجا حمايةً للمدينة والمطار من الفيضانات، بدعم من رئيس الإدارة المدنية الرفيق التيجاني إبراهيم كرشوم ورفاقه. شُيّد الهدام بطول مائة متر، وبعمق مترين تحت الماء ومترين فوقه، وفق مواصفات ومعايير هندسية عالية، وبمواد تم توريدها من دولة نيجيريا عبر الشقيقة تشاد.
تلك ليست مجرد أعمال هندسية، بل رسائل سياسية وإنسانية تقول إن إرادة الشعوب لا تُقهر، وإن الذين يبنون الحياة أقوى من الذين يتقنون صناعة الموت.
إننا لا نكرر الإدانة بقدر ما نُدين الصمت الدولي والإقليمي غير المقبول تجاه الجرائم المنظمة التي تُرتكب بحق المدنيين السودانيين. الجميع يعلم من يقصف المدن، ومن يقتل الأطفال، ومن يستهدف المرافق الإنسانية، لكن كثيرين يختبئون خلف المصالح والحسابات السياسية الضيقة.
ومع ذلك، فإن الشعوب السودانية لن تنكسر، ولن تتخلى عن حقها في الحرية والسلام والكرامة. سنواصل مقاومة الظلم، وإعمار الأرض، ومد يد السلام لكل من يريد وطناً معافى خالياً من الحروب والكراهية.
وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية، وأن يتخذ مواقف واضحة وعقوبات حقيقية تجاه هذه الجرائم، لأن الصمت لم يعد حياداً، بل صار شراكة غير مباشرة في استمرار المأساة.
ويبقى المؤكد أن إرادة الشعوب الحرة لا تخيب، وأن الذين يقاتلون من أجل الحياة هم المنتصرون في نهاية المطاف



