
د.دقاش حسب الله دقاش
صباح اليوم على طريق قلبي فرع شارع ود البشير بمشروع العايدي في مدينة الحواتة انتهت رحلة امرأة سودانية دون أن يعرف أحد اسمها وجدت جثة هامدة وكومة الحطب التي خرجت تجمعها ملقاة بجانبها كشاهد أخير على تعب عمر كامل لم تمت في فراشها ولم تمت وهي نائمة بين أحفادها ماتت وهي تسعى على رزقها ورزق أطفال ينتظرون عودتها في بيت لا نعرف مكانه ماتت وظهرها منحني تحت ثقل الحياة قبل ثقل الحطب وتحت ثقل وطن انكسر فجأة فوق ظهور الضعفاء إنا لله وإنا إليه راجعون
لو اقتربت منها قليلاً لوجدت في وجهها خطوطاً عميقة حفرتها السنين وحفرتها الحرب معاً خطوط امرأة ولدت في زمن كان فيه الرغيف متوفراً والشارع آمناً والابن يرجع للبيت قبل المغرب ثم جاءت الحرب فسرقت منها كل شيء سرقت الابن الذي كان سندها وسرقت البيت الذي كان ظلها وسرقت الأمان الذي كان يحمي مشيتها في الطريق فلم يبق لها إلا جسد أنهكته السنون ويدان تعرفان جمع الحطب فقط.
الحطب الذي ماتت بجواره ليس مجرد أعواد جافة هو سجل كامل لحياة امرأة سودانية بعد الحرب قبل الحرب كان الحطب للتدفئة في شتاء بارد أو للونسة تحت ضوء القمر أما بعد الحرب فصار الحطب هو العمل والمرتب والضمان الاجتماعي الوحيد صار هو البديل عن المعاش الذي تبخر والراتب الذي انقطع والدعم الذي لم يصل هذه المرأة لم تطلب صدقة ولم تمد يدها للغريب اختارت أن تموت واقفة وهي تعمل لأن الكرامة عند السودانيات أغلى من الحياة نفسها الجوع كان أشد عليها من حرارة الشمس وتعب الطريق ووحشة الطريق الخالي خرجت في هذا العمر وفي هذا الوضع لأن في بيتها أفواهاً تنتظر فالأم السودانية آخر القلاع التي تسقط تتحمل البرد والمرض والجوع والخوف لكنها لا تتحمل دمعة طفل جائع ولا سؤال ابن صغير وين الفطور يا حبوبة.
موتها في الشارع ليس حادثاً عابراً هو إدانة صامتة لنا جميعاً إدانة لمنظومة فشلت في توفير طريق آمن تمشي فيه عجوز دون خوف وإدانة لدولة عجزت عن أن توفر دخلاً كريماً يغنيها عن حمل الحطب وإدانة لمجتمع انشغل بنفسه وترك أمهاته يمتن وحيدات في الطرقات فشلنا نحن قبل أن يسقط جسدها وفشلنا قبل أن تبرد يدها على كومة الحطب.
ولننتبه فالأمر ليس حادثة فردية تمر مرور الكرام وتطوى مع نشرة الأخبار العجوز المجهولة هي وجه لآلاف النساء في السودان اليوم وجه لكل أم نزحت من الخرطوم وسكنت في مدرسة بلا سرير وجه لكل جدة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق صارت تجمع الحطب لتبيع الربطة بجنيهات لا تشتري دواء وجه لكل امرأة تحولت فجأة من ست بيت مكرمة إلى عاملة يومية تبحث عن لقمة الحرب والغلاء والتضخم والانهيار سرقوا منهن الأمان فصرن يبعن عرقهن وصحتهن وكرامتهن مقابل رغيف يابس كرامة الأم السودانية صارت تقاس اليوم بكومة حطب وبكم مشوار وبكم جنيه وبكم نظرة شفقة في عيون الناس.
تخيل معي للحظة مشهد أطفالها وهم ينتظرون عودتها عند المغرب يراقبون الطريق بعين مليئة بالرجاء ينتظرون صوت خطواتها وهمسها المعتاد جيت يا أولادي ثم يطول الانتظار ويطول حتى يفهم أصغرهم أن الحبوبة لن تعود وأن كومة الحطب الأخيرة كانت هي آخر ما تركته لهم من هذه الدنيا أي وجع هذا وأي حرب هذه التي تجعل موت الجدة في الطريق خبراً عادياً.
اللهم ارحمها رحمة واسعة واغفر لها واجعل قبرها روضة من رياض الجنة اللهم أبدلها داراً خيراً من دارها وأهلاً خيراً من أهلها وألهم أبناءها الصبر واجبر كسرهم وكن لهم عوناً بعد أمهم اللهم ارحم كل أم سودانية ماتت في الطريق وهي تبحث عن لقمة لأطفالها اللهم ارحم كل عجوز انكسر ظهرها تحت وطأة الحرب والفقر.
وصيتي لنا جميعا ما نمر علي الخبر مرور الكرام شارك المنشور واسأل جيرانك يمكن امك واختك،جارتك هي البتفتش عليها.




