
فاطمة لقاوة
لم تعد الأسئلة المطروحة في الشارع السوداني اليوم تدور حول الحرب وحدها، بل إمتدت لتشمل أدوار القوى الإقليمية التي ظلت تعلن حرصها على السلام بينما تتكاثر الشكوك حول حقيقة مواقفها وتحركاتها خلف الكواليس. وفي مقدمة هذه القوى تبرز المملكة العربية السعودية، التي كانت لسنوات طويلة تحظى بمكانة خاصة لدى السودانيين بإعتبارها دولة شقيقة وشريكاً تاريخياً، قبل أن تثير التحركات السياسية الأخيرة تساؤلات عميقة حول مدى إلتزامها بالحياد الذي أعلنت عنه مراراً.
لقد دخلت الرياض الملف السوداني من بوابة الوساطة، وإحتضنت منبر جدة بإعتباره منصة لإيقاف الحرب وحقن الدماء ، وكان السودانيون يأملون أن تقف المملكة على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وأن توظف ثقلها السياسي والدبلوماسي لدعم السلام والإستقرار ، غير أن ما رشح من تقارير وتحركات سياسية خلال الأشهر الماضية دفع كثيرين إلى الإعتقاد بأن المملكة بدأت تنزلق تدريجياً من مربع الوسيط إلى مربع الفاعل السياسي المنحاز للبرهان و عصابته في بورتسودان.
الإنطباع الذي يتشكل لدى قطاعات واسعة من السودانيين هو أن هناك محاولات لإعادة هندسة المشهد السياسي السوداني وفق ترتيبات لا تنبع من الإرادة الشعبية، بل من حسابات إقليمية معقدة تتعلق بموازين النفوذ والمصالح، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ إذ لا يمكن لأي مشروع للسلام أن ينجح إذا تحول إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة نفسها بوجوه جديدة.
أخطر ما يمكن أن تفعله أي قوة خارجية هو أن تتعامل مع السودان بإعتباره ساحة مفتوحة لتجريب المشاريع السياسية وصناعة النُخب البديلة، فالشعب السوداني الذي قدّم التضحيات الجسام خلال سنوات الثورة والحرب لم يعد مستعداً لقبول الوصاية السياسية من أي جهة كانت، مهما بلغت إمكاناتها أو نفوذها.
لقد أثبتت التجارب أن الشرعية لا تُشترى بالأموال، ولا تُصنع داخل الفنادق المغلقة، ولا تُفرض عبر تفاهمات النخب المعزولة عن واقع الناس، الشرعية الحقيقية تولد من الشارع، وتُبنى على القبول الشعبي، وتستمد قوتها من إرتباطها بقضايا المواطنين وتطلعاتهم.
إذا كانت بعض الدوائر الإقليمية تراهن على شخصيات فقدت تأثيرها الجماهيري أو على كيانات سياسية تعيش خارج نبض الشارع، فإن هذا الرهان لن يقود إلاَّ إلى مزيد من التعقيد، فالسودانيون خبروا خلال العقود الماضية عشرات المشاريع التي حاولت صناعة قيادات كرتونية من أعلى، لكنها سرعان ما سقطت لأنها إفتقرت إلى الجذور الشعبية الحقيقية.
المملكة العربية السعودية أمام إختبار تاريخي في السودان، فإما أن تستعيد دورها كوسيط نزيه يحترم إرادة السودانيين ويقف على مسافة واحدة من الجميع، أو أن تخسر الرصيد المعنوي الذي راكمته عبر عقود طويلة من العلاقات الأخوية مع الشعب السوداني.
الشعوب لا تقيس المواقف بالبيانات الرسمية وحدها، بل تنظر إلى النتائج على الأرض، وإذا شعر السودانيون بأن معاناتهم أصبحت جزءاً من لعبة التوازنات الإقليمية،فإن صورة الوسيط ستتآكل تدريجياً لتحل محلها صورة الطرف المنخرط في الصراع بصورة أو بأخرى.
السودان اليوم لا يحتاج إلى رعاة لمشاريع سياسية جاهزة، ولا إلى مهندسين يعيدون ترتيب المشهد وفق مصالح الخارج، بل يحتاج إلى دعم حقيقي لحق شعبه في تقرير مصيره بنفسه، فمصير السودان لا ينبغي أن يُكتب في العواصم الأجنبية، بل في مدنه وقراه وبين أبنائه الذين دفعوا أثمان الحرب والنزاع.
يبقى السؤال الذي يتردد في أذهان كثير من السودانيين: هل ما زالت الرياض وسيطاً للسلام، أم أنها أصبحت لاعباً سياسياً يسعى إلى تشكيل المستقبل السوداني وفق رؤيته الخاصة؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تقدمها التصريحات الدبلوماسية، وإنما ستكشفها الوقائع والأفعال في قادم الأيام.
ولنا عودة بإذن الله




