رأي

بنو المهدي… حين يُباع التاريخ ويُخذل الأنصار. 

حسن النعمان

 

← رجوع

شكرًا لردكم ✨

يا جماهير السودان…

إن أعظم المآسي ليست أن يهزم الإنسان عدوه، وإنما أن يهزم نفسه، وأن يفرط في تاريخه بيده. وما فعله بنو المهدي، وعلى رأسهم أبناء الصادق المهدي، ليس مجرد خطأ سياسي عابر، بل سقوط أخلاقي وتاريخي سيظل يلاحقهم ما بقي السودان.

لقد ورثتم اسماً صنعه الإمام المهدي بدمه، وحافظ عليه الأنصار بتضحياتهم، لكنكم لم تحافظوا على الأمانة. حملتم إرثاً عظيماً، ثم وضعتموه في سوق السياسة الرخيصة، حتى أصبح الناس يتساءلون: أين أحفاد الإمام؟ وأين المبادئ التي تربى عليها الأنصار؟

إن ثورة المهدية لم تكن ثورة أسرة، ولم تكن مشروعاً لبيت واحد، وإنما كانت ثورة شعب بأكمله، دفعت فيها كردفان ودارفور والنيل الأزرق وسائر السودان أغلى الأثمان. وكان حزب الأمة يوماً بيتاً لكل السودانيين، يرفع شعار “السودان للسودانيين”، لا حزباً يفرق بين أبناء الوطن أو يصطف مع من يقتلونهم.

لقد نسيتم الأنصار… نعم، نسيتم أولئك البسطاء الذين كانوا يأتون إليكم من أقاصي السودان، حفاةً أحياناً، وجياعاً أحياناً أخرى، لا يريدون منكم مالاً ولا سلطاناً، وإنما كانوا يرون فيكم امتداداً للإمام المهدي. كانوا يرفعونكم فوق رؤوسهم، ويقدمون أبناءهم قرابين للمبادئ التي آمنوا بها، فإذا بكم تردون الجميل بالجفاء، وكأن تاريخهم لا يعني لكم شيئاً.

وفي السودان نقول: “الما عندو كبير يشتري ليهو كبير.” لكن المصيبة أنكم كان عندكم تاريخ هو أكبر من كل المناصب، فضيعتموه بأيديكم. ونقول أيضاً: “الجاحد نعمة الناس، الزمن بوريه مقامو.” والزمن بدأ بالفعل يكشف الحقائق أمام الجميع.

إن الشعوب لا تنسى. أهل دارفور لا ينسون، وأهل كردفان لا ينسون، وأهل النيل الأزرق لا ينسون، وكل سوداني فقد عزيزاً أو شُرد من داره لن ينسى من وقف مع معاناته ومن تجاهلها. والتاريخ لا يرحم أحداً، ولا يكتب المجد لمن خانوا ثقة جماهيرهم.

لقد كان بإمكانكم أن تكونوا جسراً يوحد السودانيين، فإذا بكم تصبحون طرفاً في انقسامهم. وكان بإمكانكم أن تحفظوا إرث الإمام المهدي، فإذا بكم تجعلون الناس يفرقون بين عظمة المؤسس وأخطاء الورثة.

واعلموا أن الزعامة لا تُورث، والاحترام لا يُفرض، والشرعية لا تأتي من الاسم، وإنما تأتي من المواقف. فمن وقف مع شعبه رفعه الشعب، ومن تخلى عنه تركه الشعب وحيداً.

واليوم، نقولها بوضوح: إن الأنصار أكبر من أي أسرة، والمهدية أكبر من أي وريث، والسودان أكبر من أي حزب. ومن يظن أن التاريخ سيحميه وهو يفرط فيه، فهو واهم. فالتاريخ لا يحمي إلا الذين يحفظون العهد، ويصونون الأمانة، ويقفون مع شعوبهم في ساعة الشدة.

لقد خسرتم كثيراً، لكن الخسارة الأكبر ليست في السياسة، وإنما في قلوب الناس. وإذا فقد القائد ثقة شعبه، فلن تنفعه الألقاب، ولا الأنساب، ولا أمجاد الأجداد.

سيبقى الإمام المهدي صفحة مضيئة في تاريخ السودان، لكن أحفاده سيُحاكمون بأفعالهم لا بأسمائهم. وكما يقول أهل السودان: “الولد البشبه أبوه، ما بجيب العار لأهله.” أما من يفرط في إرث آبائه، فإن التاريخ يكتب اسمه في صفحات العبرة لا في صفحات المجد.

وهذه رسالة إلى كل بيت سياسي في السودان: لا تظنوا أن الشعوب خلقت لتتبعكم، بل أنتم خلقتم لخدمة الشعوب. فمن خدم وطنه خلد اسمه، ومن استكبر على الناس، دفنه الناس في مقابر النسيان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!