هل آن أوان طرح حق تقرير المصير لشعوب تأسيس؟

هل آن أوان طرح حق تقرير المصير لشعوب تأسيس؟
بقلم: حاتم الياس
منذ إعلان حكومة تأسيس، واجهت رفضاً للاعتراف بها من كثير من الدول، وبالطبع في مقدمتها الدول العربية، بفكرة الحفاظ على الوحدة الترابية وسيادة الدولة. وهو الفهم الكلاسيكي لمدارس القانون الدولي القديمة، الذي جرى تسكينه داخل مواثيق المنظمات الإقليمية، كالجامعة العربية، ليس كنصوص وموروث دولي مقدس، وإنما كان الغرض منه مواجهة هشاشة تكوينات تلك الدول.
ولعل القادة المؤسسين لمنظمة الوحدة الأفريقية كانوا أول من انتبه إلى هذه التعقيدات التي ورثتها دولة ما بعد الاستعمار من واقع الحدود المصطنعة. وفي ذلك، صرّح اللورد سالزبوري، وزير المستعمرات في الحكومة البريطانية، قائلاً عن أفريقيا:
“We have been engaged in drawing lines upon maps where no white man’s feet have ever trod; we have been giving away mountains and rivers and lakes to each other, only hindered by the small impediment that we never knew exactly where the mountains and rivers and lakes were.”
أي:
«لقد انشغلنا برسم خطوط على الخرائط في أماكن لم تطأها قدم رجل أبيض قط؛ وكنا نمنح بعضنا بعضاً الجبال والأنهار والبحيرات، ولم يكن يعوقنا عن ذلك إلا عائق صغير، هو أننا لم نكن نعرف بالضبط أين توجد تلك الجبال والأنهار والبحيرات.»
وهو ما يعكس عبثية فكرة الحدود في الدولة الموروثة عن الاستعمار، وكيف جرى رسم حدود دول كاملة دون معرفة دقيقة بجغرافيتها، ودون اعتبار كافٍ للتركيبات الاجتماعية والثقافية والسياسية للشعوب التي تعيش داخلها.
لذا أدرك الآباء المؤسسون في أفريقيا هذا المأزق، وطرحوا فكرة الولايات المتحدة الأفريقية. وكان نكروما يقول بنظرية «اللوح المصقول»، أي أن القارة كلها مثل اللوح المصقول، ممحوة الحدود.
جاء تكوين دولة إريتريا، عملياً، رغم الرفض الإثيوبي، وحجتها التي كانت تعتمد على أن حق تقرير المصير مرتبط بتصفية التركة الاستعمارية، ولا يحق لشعب المطالبة به بعد ذهاب الاستعمار الكلاسيكي. ثم جاء استقلال جنوب السودان، ليصبح حق تقرير المصير عملياً في أدبيات السوابق القانونية التي لا يمكن تجاوزها، ولا تصمد أمامها بصورة مطلقة حجج السيادة والوحدة الترابية.
لكن دعنا نقول هنا إن حق تقرير المصير نفسه، كحق جماعي، قاصر التفسير. فالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة، وأعني الذهن غير القانوني، هو أن حق تقرير المصير يقود مباشرة إلى الانفصال، في حين أن الحق يقود إلى مجموعة من الخيارات، من بينها حق تكوين حكومة، وحق تبني نظم قانونية وسياسية مختلفة، وتمثيل إرادة الشعوب التي تمثلها هذه الحكومة.
ولنقل هنا «شعوب تأسيس»، حتى لا نربط الأمر بإقليم بعينه. وفي ذلك، يقول فقهاء القانون الدولي التقدمي، ومن بينهم الفقيه شارل شومون، إن حق تقرير المصير يمتد حتى إلى خيار الشعب في أن يطلب تقرير مصيره من حكوماته غير الشرعية؛ أي إنه لا يقف فقط عند الحالة الاستعمارية أو حالة انفصال إقليم عن دولته الأم.
وفي الحالة الصومالية، كمثال، من المثير أن استقلال صومال لاند لم يكن مرتبطاً باختلافات ثقافية أو لغوية بين مكونات الدولة الصومالية، وإنما كان اختبار الانفصال مبنياً على تباين الرؤية السياسية الجذرية بين صومال لاند وبقية الصومال. وهذه نقطة مهمة، لأنها تفتح الباب أمام فهم تقرير المصير باعتباره تعبيراً عن الإرادة السياسية للشعوب، وليس بالضرورة عن الاختلاف العرقي أو اللغوي أو الثقافي.
وهنا لا بد من ملاحظة لا تخلو من أهمية: إن كثيراً من فرط الحس الدكتاتوري وحرمان الآخرين من التعبير عن رأيهم وتهديد وحدة الدول يأتي من قوى الإسلام السياسي؛ من وضع الأقباط في مصر وهجرتهم إلى أقطار العالم أمام نمو تيارات الإسلام السياسي والحركات التكفيرية، إلى حزب الله في لبنان الذي أنشأ دولة داخل دولة، وحزب الإصلاح في اليمن، والتيار الحوثي، وتجربة المؤتمر الوطني وانفصال جنوب السودان، واستمراره حالياً بالنهج نفسه.
وكأن حركات الإسلام السياسي تجعل فكرة وحدة الدولة نفسها، وتقديمها على أطروحاتها الأيديولوجية، تدخل في باب المحرمات.
كان من الخطأ أن تنتظر حكومة تأسيس الاعتراف الدولي، وكأنه عطية ستخلقها الظروف اللاحقة أو مسارات الميدان العسكري. إن الأمر الذي كان سياسياً وضاغطاً على العالم والإقليم هو إعلان الاستقلال على أساس موضوعي وقانوني: استقلال من دولة تُدار بحكومة غير شرعية وتريد أن تفرض رؤيتها على الآخرين.
وذلك بعيداً عن الجرح السياسي الاحتيالي الذي تتبناه بعض القوى السياسية المدنية، والذي تسميه «الدولة المدنية»، وهو تخريج بسيط يحاول أن يتحاشى ترهيب النسق الأيديولوجي للحركة الإسلامية. فإن علمانية الدولة هي أقوى مبرر لإعلان الاستقلال.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إعلان الاستقلال والانفصال ليسا وجهي عملة واحدة بالضرورة. ففي سابقة إقليم كوسوفو أمام محكمة العدل الدولية، كان السؤال المطروح هو مدى توافق إعلان الاستقلال من جانب واحد مع القانون الدولي.
وقد أصدرت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في 22 يوليو 2010، قرارها بأن إعلان استقلال كوسوفو الصادر في 17 فبراير 2008 لم ينتهك القانون الدولي. وخلصت المحكمة إلى أن القانون الدولي العام لا يتضمن حظراً عاماً واجب التطبيق على إعلانات الاستقلال.
والأهم أن المحكمة فرّقت بين مسألتين: فعدم وجود حظر في القانون الدولي على إعلان الاستقلال لا يعني، بالضرورة، أن القانون الدولي يمنح كل كيان داخل دولة حقاً إيجابياً في الانفصال عنها. فقد أكدت المحكمة أن السؤال المعروض عليها كان ما إذا كان إعلان الاستقلال قد انتهك القانون الدولي، وليس ما إذا كان القانون الدولي يمنح، بصورة عامة، كل كيان داخل دولة حقاً في الانفصال عنها.
كما قررت المحكمة أن مبدأ الوحدة الترابية، وإن كان مبدأ مهماً في النظام القانوني الدولي، ينصرف في نطاقه إلى العلاقات بين الدول، ولم تستخلص منه حظراً عاماً على إعلانات الاستقلال من جانب واحد.
لكن ماذا نود قوله هنا؟
بدلاً من انتظار العالم الاعتراف بحكومة تأسيس، علينا أن نستخدم الوسائل القانونية التي لا يستطيع العالم تجاوزها أو التحايل عليها، وأن نقول إننا ننطلق من حق قانوني ولسنا نتيجة صراع وحرب.
فحينما يجتمع مجلس الأمن ويقرر أنه لا يعترف بأي حكومة موازية، فإن ذلك يعني أن مجلس الأمن ناقش الأمر من وجهة نظر اعتمد فيها على رؤيتنا نحن، وكأننا ننطلق من نزاع شرعية مع بورتسودان.
ولدى مجلس الأمن إدارة قانونية كاملة بها كوادر عالية المهنية، فضلاً عن الجهات القانونية في الدول الدائمة العضوية. وحينما يكون هناك قرار سيصدر بخصوص السودان، وتكون هناك حكومة جديدة سمت نفسها حكومة تأسيس، سيكون أول سؤال: على أي أساس أو مادة في القانون الدولي أسست هذه الحكومة حيثيات وجودها؟
لو وجدت حكومة تأسيس حق تقرير المصير أساساً لخطابها القانوني، لكان على مجلس الأمن أن يتوقف ويراجع المسألة، لأن حق تقرير المصير يعني الإرادة الجماعية للشعوب التي تقع في مناطق تأسيس، وليس لحكومة تأسيس في ذاتها. وعندها كان المجلس سيدخل في جدل حول مدى مطابقة إنفاذ هذا الحق في الواقع أو عدم مطابقته للقانون الدولي، قبل أن يقرر في مسألة الاعتراف.
وهنا تحديداً تكمن أهمية نقل المعركة من سؤال: «هل نعترف بحكومة تأسيس أم لا؟» إلى سؤال أكثر عمقاً من الناحية القانونية: «هل لشعوب تأسيس حق في تقرير مصيرها؟ وما الخيارات التي يتيحها لها هذا الحق؟»
فهذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بمجرد التمسك بالشعارات التقليدية حول السيادة والوحدة الترابية، وإنما يتطلب النظر في تطور مفهوم تقرير المصير، وفي السوابق الدولية، وفي طبيعة الدولة السودانية نفسها، وفي إرادة الشعوب التي تتشكل منها مناطق تأسيس.
وقد يكون هذا هو المدخل القانوني والسياسي الذي ينقل قضية تأسيس من انتظار الاعتراف إلى صناعة سؤال قانوني جديد أمام المجتمع الدولي.
محامي وكاتب




