القائد/محمد حمدان دقلو.. من هامش الجغرافيا إلى مركز التاريخ

بسم الله الرحمن الرحيم
القائد/محمد حمدان دقلو.. من هامش الجغرافيا إلى مركز التاريخ
بقلم: د. دقاش حسب الله دقاش
24 أغسطس 2026م
حينما يتأمل الإنسان صفحات التاريخ يكتشف أن بعض القادة لم يصنعوا حضورهم التاريخي لأنهم وُلدوا في قلب السلطة، وإنما لأنهم امتلكوا القدرة على توظيف اللحظة التاريخية، وقراءة البيئة المحيطة بهم، واستثمار الإمكانات المتاحة، وتحويلها إلى قوة مؤثرة، ثم الانتقال بها من نطاقها المحدود إلى فضاء أوسع.
ومن أشهر النماذج التي تستوقف دارسي التاريخ في هذا السياق الإسكندر الأكبر، ذلك الملك المقدوني الذي استطاع خلال سنوات قليلة أن ينتقل من قيادة مملكة في أطراف العالم القديم إلى صناعة واحدة من أوسع حركات التوسع العسكري والسياسي في عصره. وقد استفاد من الإرث العسكري والتنظيمي الذي تركه والده فيليب الثاني، ومن كفاءة الجيش المقدوني، إلى جانب شخصيته القيادية وقدرته على اتخاذ القرار والحركة السريعة وقراءة موازين القوى.
وليس المقصود من استحضار الإسكندر الأكبر وضع الفريق اول محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي»، في المرتبة نفسها، أو القول إن التجربتين متماثلتان؛ فالفارق بين العصرين والبيئتين والدولتين والأهداف التاريخية شاسع. وإنما المقصود هو الوقوف أمام ظاهرة الصعود السريع لقائد جاء من خارج مركز السلطة التقليدي، و استطاع خلال فترة محدودة أن يتحول إلى شخصية يصعب تجاوزها في المعادلة السياسية والعسكرية لبلاده. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبرز تجربة القائد محمد حمدان دقلو باعتبارها واحدة من أكثر وأهم التجارب إثارة للاهتمام والدراسة في تاريخ السودان الحديث.
فالرجل الذي لم يبدأ حياته من مؤسسة سياسية مركزية، ولم يسلك المسار العسكري التقليدي المعروف لدى القيادات العليا، استطاع بإرادة قوية وعزيمة لافتة أن يشق طريقه من بيئة اجتماعية طرفية إلى مركز القرار في الدولة السودانية، وأن ينتقل من قائد ميداني إلى قائد قوة واسعة النفوذ، ثم إلى شخصية سياسية أصبحت حاضرة في أكثر الملفات حساسية داخل السودان وعلى المستوى الإقليمي والدولي. إنها قصة صعود تستحق أن تُقرأ بهدوء وموضوعية، لا من زاوية التأييد أو الرفض وحدهما، وإنما من زاوية فهم الشخصية والبيئة التي نشأت فيها، والظروف التي أحاطت بها، والقدرات التي ساعدتها على الوصول إلى هذا الموقع.
ينتمي محمد حمدان دقلو إلى بيئة دارفورية بعيدة عن مراكز صناعة القرار التقليدية في السودان. وقد نشأ في مجتمع تحكمه علاقات اجتماعية واقتصادية معقدة، وترتبط حياته بحركة الرعي والتجارة والأسواق والحدود والتواصل المستمر بين المجتمعات. وقد مارس في بدايات حياته التجارة والرعي، وهي تجربة تختلف بصورة كبيرة عن المسار الذي تسلكه النخب السياسية والعسكرية في العواصم. غير أن هذه البيئة منحته نوعاً مختلفاً من الخبرة؛ خبرة التعامل المباشر مع الناس، ومعرفة الجغرافيا، وفهم العلاقات الاجتماعية، والقدرة على التواصل مع مجموعات متنوعة، والتعامل مع الظروف المتغيرة بسرعة.
وهنا تظهر إحدى أهم النقاط في دراسة شخصيته: القائد لا يتشكل دائماً داخل المؤسسات الرسمية وحدها، وإنما قد تصنعه أيضاً البيئة التي يعيش فيها، والتجارب التي يخوضها، والأزمات التي يمر بها. لقد نشأ في منطقة شهدت لعقود اضطرابات وصراعات وتهميشاً سياسياً واقتصادياً، وفي مثل هذه البيئات تتشكل أنماط مختلفة من القيادة؛ قيادة يكون فيها الاحتكاك المباشر بالميدان مدرسة قائمة بذاتها. ومن هذه البيئة بدأ مساره، وتعلم دروس الصبر والاعتماد على النفس وسرعة البديهة والتعامل مع الواقع كما هو، لا كما ينبغي أن يكون.
ولم يكن انتقاله إلى موقع القيادة العليا حدثاً مفاجئاً منفصلاً عن ماضيه، وإنما جاء نتيجة تراكم طويل من الخبرة والعلاقات والقدرة على الحركة والتنظيم. ومع تأسيس قوات الدعم السريع بصورتها الرسمية عام 2013، أظهر قدرة قيادية لافتة في إدارة قوة أخذت في التوسع تدريجياً حتى أصبحت أحد مراكز القوة المهمة في السودان. وهنا يمكن ملاحظة التحول الكبير في طبيعة شخصيته القيادية. فالقائد المحلي يعتمد بصورة كبيرة على حضوره الشخصي ومعرفته المباشرة برجاله، أما قيادة قوة واسعة فتطلب مهارات مختلفة تشمل التنظيم وإدارة الموارد والاتصالات والإمداد والانتشار والقيادة والسيطرة وبناء هياكل متعددة المستويات.
وهذا التحول يكشف أنه لم يبقَ أسير النمط الأول من القيادة، وإنما تطورت تجربته بالتوازي مع تطور القوة التي يقودها، وكان هذا التطور أحد أهم أسباب انتقاله من شخصية محلية إلى شخصية وطنية ذات تأثير واسع.
ومن أكثر الجوانب التي تستحق الدراسة في تجربته سرعة تطور القوة التي أصبحت تحت قيادته. فالتطور العسكري لا يقاس فقط بعدد الأفراد أو مساحة الانتشار، وإنما بقدرة القيادة على إنشاء منظومة تستطيع العمل في مساحات جغرافية واسعة، وتحريك القوات، وإدارة الاتصالات، وتأمين الإمداد، وتنظيم القيادة، والتعامل مع الظروف الميدانية المتغيرة. ومن هذه الزاوية، فإن نمو قوات الدعم السريع خلال السنوات التي سبقت الحرب يعكس انتقالاً واضحاً من قوة ذات طابع ميداني إلى مركز قوة واسع النفوذ في ميزان السياسة والأمن السوداني.
وهذا النمو لم يكن وليد عام واحد، وإنما جاء نتيجة سنوات من التراكم والاحتكاك بالعمليات العسكرية والصراعات المختلفة، الأمر الذي أتاح للقيادة والقوات اكتساب خبرات ميدانية واسعة. كما أن النقد لا ينبغي أن يمنع الباحث من دراسة عناصر القوة والصعود، والمنهج الموضوعي يقتضي النظر إلى التجربة في جوانبها المختلفة.
وربما لم يمتلك المسار الأكاديمي العسكري التقليدي الذي عرفته بعض القيادات العليا في القوات المسلحة السودانية، إلا أن التجربة الميدانية نفسها أصبحت بالنسبة له مدرسة متواصلة. فالخبرة الميدانية تمنح القائد نوعاً من المعرفة لا توفرها الكتب وحدها؛ معرفة الأرض، ومعرفة الرجال، وسرعة اتخاذ القرار، وفهم طبيعة العلاقات، وإدراك أثر الثقة والانضباط، والقدرة على التعامل مع ظروف قد تتغير في ساعات، وأحياناً في دقائق. وقد ساعدت هذه الخبرة في بناء شخصية قيادية تعتمد بدرجة كبيرة على الحضور المباشر، والتواصل مع القوات، وسرعة الحركة، والقدرة على اتخاذ القرار في بيئات صعبة. وهذه من السمات التي تفسر جانباً مهماً من سرعة صعوده وقدرته على بناء قاعدة نفوذ واسعة.
لكن الصعود الحقيقي لم يكن عسكرياً فقط. فاللحظة الأكثر أهمية في تجربته جاءت عندما بدأ ينتقل من قيادة القوة إلى المشاركة المباشرة في الحركة السياسية. وبعد سقوط نظام عمر البشير عام 2019، أصبح نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، ثم نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي. وهنا دخل اختباراً جديداً ومختلفاً تماماً؛ فالسياسة لا تُدار بمنطق الميدان وحده، وإنما تحتاج إلى التفاوض، وبناء التحالفات، وإدارة الخلافات، والتواصل، وفهم الاقتصاد، والتعامل مع القوى المدنية والعسكرية، واستيعاب التوازنات الإقليمية والدولية.
وقد خاض هذا الاختبار بحضور سياسي لافت، ودخل في مفاوضات واتصالات متعددة، وأصبح حاضراً في ملفات السلام والسياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية. وبذلك جمع في شخصيته بين موقع عسكري قوي وموقع سياسي رسمي، وهو أمر جعل منه أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في السودان خلال المرحلة الانتقالية، وقادراً على تحويل القوة الميدانية إلى نفوذ سياسي فاعل.
إن القوة وحدها لا تفسر الصعود السياسي. فقد امتلك كثير من القادة أدوات القوة لكنهم لم يستطيعوا التحول إلى فاعلين سياسيين مؤثرين، كما امتلك سياسيون كثيرون الخطاب السياسي ولم يستطيعوا بناء قاعدة قوة حقيقية. ولكن على النقيض من ذلك فقد استطاع القائد محمد حمدان و خلال فترة قصيرة نسبياً أن يجمع بين المجالين، وأن يدرك أن القوة العسكرية تحتاج إلى علاقات سياسية، وأن النفوذ السياسي يحتاج إلى أدوات قوة، وأن البيئة السودانية المعقدة لا يمكن التعامل معها من خلال عامل واحد. ومن هنا اتسعت شبكة علاقاته الداخلية والإقليمية، وأصبح رقماً يصعب تجاوزه في أي نقاش حول مستقبل السودان.
إن صعوده يحمل أيضاً دلالة تتجاوز شخصه. فالسودان ظل لعقود يعاني اختلال العلاقة بين المركز والأطراف، حيث تركزت السلطة السياسية والعسكرية والاقتصادية بدرجات متفاوتة في المركز، بينما شعرت مناطق واسعة من البلاد بالتهميش. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى صعوده بوصفه نموذجاً لانتقال أحد أبناء الأطراف إلى مركز صناعة القرار الوطني. وهذا لا يعني أن كل سياساته تمثل الأطراف، أو أن جميع أبناء الأطراف يؤيدونه، وإنما يعني أن وصول شخصية دارفورية إلى هذا الموقع الرفيع كان حدثاً ذا دلالة سياسية واجتماعية كبيرة. لقد أصبح الرجل الذي جاء من خارج النخبة المركزية جزءاً من النخبة التي تصنع القرار، وهذه في حد ذاتها ظاهرة تاريخية تستحق التحليل.
إن سرعة صعود الرجل لم تكن نتيجة عامل واحد، وإنما اجتمعت جملة من العوامل حول ذلك؛( بيئة سياسية مضطربة، وضعف المؤسسات، والحروب الطرفية، وتعدد مراكز القوة، والخبرة الميدانية، والقدرة على بناء الشبكات الاجتماعية، وتطور القوة التي يقودها، والحضور الشخصي، والقدرة على التواصل)، ثم الاستفادة من التحولات السياسية الكبرى التي مر بها السودان. وهذه العوامل مجتمعة تفسر لماذا استطاع خلال سنوات قليلة أن ينتقل من موقع محدود إلى موقع أصبح فيه أحد أهم النافذين في الدولة.
والدرس هنا ليس في تمجيد القوة لذاتها، وإنما في فهم كيفية نشوء القوة السياسية. فالقادة لا يصعدون في الفراغ؛ إنما يصعدون عندما يجدون بيئة سياسية تسمح بالصعود، ومجتمعاً يستطيعون بناء النفوذ داخله، ومؤسسات ضعيفة أو متنافسة تفتح المجال أمام ظهور مراكز قوة جديدة.
وبالعودة إلى الإسكندر الأكبر، فإن المقارنة الحقيقية ليست في الحجم التاريخي ولا في طبيعة الإنجازات. فالإسكندر كان ملكاً مقدونياً ورث دولة وجيشاً قوياً أعدهما والده فيليب الثاني، ثم استخدمهما في مشروع توسع إمبراطوري هائل بمقاييس عصره. أما القائد حميدتي فجاء من بيئة اجتماعية مختلفة، ولم يرث عرشاً ولا إمبراطورية، وإنما صعد من خلال مسار ميداني وسياسي معقد داخل دولة تعاني من أزمات متراكمة.
لكن كلا التجربتين تثيران سؤالاً واحداً: كيف يتحول القائد من شخص موجود في لحظة تاريخية إلى شخصية تصبح في ذاتها جزءاً من صناعة تلك اللحظة؟ وهذا هو جوهر المقارنة. فالإسكندر استثمر قوة الدولة المقدونية في مشروع توسعي عالمي بمعايير عصره، بينما استثمر هو ظروف الدولة السودانية المعقدة في بناء مركز قوة أصبح مؤثراً في مستقبلها. والفارق بين التجربتين كبير، لكن دراسة آلية الصعود تظل ذات قيمة لفهم طبيعة القيادة وتحولات السلطة.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية: هل العظمة في أن يمتلك الإنسان القوة، أم في أن يعرف كيف يستخدمها؟
لقد حقق شيئاً لا يمكن إنكاره من الناحية التاريخية؛ فقد استطاع أن يصعد من بيئة اجتماعية وميدانية بعيدة عن مركز الدولة إلى موقع أصبح فيه واحداً من أبرز الشخصيات في تاريخ السودان المعاصر. وهذا الصعود وحده يستحق الدراسة.
أما إذا بقيت القوة هي الوسيلة الوحيدة لإدارة السياسة، فإن القوة نفسها قد تتحول من مصدر نفوذ إلى مصدر أزمة، وهذه قاعدة تاريخية لا تخصه وحده، وإنما تنطبق على كل قائد في كل زمان.
محمد حمدان دقلو «حميدتي» ليس شخصية عابرة في المشهد السوداني؛ لقد أصبح اسمه مرتبطاً بمرحلة كاملة من تاريخ السودان، مرحلة انهيار نظام سياسي، وصعود قوى جديدة، وتنافس عسكري وسياسي، ثم اندلاع حرب غيرت وجه البلاد وأعادت تشكيل كثير من موازينها. وقد اختلف السودانيون حوله اختلافاً كبيراً، وسيستمر هذا الاختلاف على الأرجح زمناً طويلاً.
لكن الباحث الجاد لا ينبغي أن يبدأ فقط من سؤال: هل أنا معه أم ضده؟ بل من أسئلة أعمق: كيف استطاع أن يصعد بهذه السرعة؟ كيف استطاع أن يبني قوة بهذا الحجم؟ كيف استطاع أن تحويل القوة إلى نفوذ؟ كيف انتقل من الميدان إلى السياسة؟ وكيف أصبح اسمه حاضراً بهذه القوة في مستقبل السودان؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل تجربته جديرة بالدراسة.
فالإسكندر الأكبر دخل التاريخ لأنه استطاع أن يحول قوة مقدونيا إلى مشروع إمبراطوري هائل، أما صفحته التاريخية فلا تزال مفتوحة. لقد بنى القوة، ووصل إلى مركز القرار، وأصبح لاعباً رئيسياً في معادلة السودان، لكن الحكم النهائي على تجربته لن يصدره الحاضر، وإنما سيصدره التاريخ.
فالقوة تصنع قائداً، والذكاء يصنع نفوذاً، والشجاعة تصنع حضوراً، ولكن بناء الدولة وصناعة السلام وتحقيق العدالة هي التي تصنع رجل الدولة. وهنا تحديداً يكمن الفارق بين قائد يمر في التاريخ، وقائد يصنع أثراً باق في التاريخ.
24 أغسطس 2026م




