ظاهرة محاولات الانتحار في السودان.. حين يدفع اليأس بعض السودانيين إلى حافة الحياة

تقرير: التنوير
في مدن سودانية مختلفة، تتكرر أخبار محاولات الانتحار بصورة تثير القلق، من ود مدني إلى كسلا والقضارف، لتخرج القضية من إطار الحوادث الفردية وتفتح سؤالاً أوسع: ماذا يحدث نفسياً داخل مجتمع أنهكته الحرب والنزوح والفقدان وتدهور الأوضاع المعيشية؟
ولا توجد إحصاءات وطنية حديثة ومنتظمة تسمح بالجزم بارتفاع معدلات الانتحار في السودان أو تحديد حجم الظاهرة بدقة، كما أن الحالات المتداولة إعلامياً لا تكفي وحدها لإثبات اتجاه إحصائي. لكنها في المقابل تطرح قضية تستحق البحث، خصوصاً مع استمرار الحرب وتفاقم الفقد والنزوح وتراجع فرص العمل والتعليم وتآكل الإحساس بالأمان.
الحرب لا تنتهي عندما تصمت البنادق
تقول د. أمل، اختصاصية الطب النفسي، إن آثار الحرب يمكن أن تستمر داخل الإنسان حتى بعد ابتعاده عن مناطق القتال، مشيرة إلى أن فقدان أفراد الأسرة والنزوح والخوف المستمر والصدمات المتكررة وانهيار الإحساس بالأمان، كلها عوامل يمكن أن تترك آثاراً عميقة على الصحة النفسية.
وتوضح أن الوصول إلى مرحلة التفكير أو محاولة الانتحار غالباً لا يكون نتيجة عامل واحد، وإنما قد ينتج عن تراكم ضغوط متعددة، مثل فقدان العمل والدخل، وفاة شخص قريب، النزوح، التفكك الأسري أو الشعور بانسداد الأفق.
وتحذر من التعامل مع محاولة الانتحار باعتبارها سلوكاً عابراً، مؤكدة أن الشخص الذي يصل إلى هذه المرحلة يحتاج إلى تقييم ومتابعة متخصصين.
الفقر ليس القصة كاملة
ويرى الاختصاصي النفسي حاتم حسن أن الحرب خلقت بيئة من الضغوط المستمرة، موضحاً أن قدرة الإنسان على التكيف قد تتراجع عندما تتراكم الأزمات دون فرصة للراحة أو الحصول على الدعم والعلاج.
ويشير إلى أن الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية قد تدفع بعض الأشخاص إلى إخفاء معاناتهم أو تجنب طلب المساعدة، فتظهر الأزمة في صورة عزلة شديدة واضطرابات في النوم وفقدان الاهتمام بالحياة أو تغيرات حادة في السلوك.
وتزداد الضغوط بين النازحين والشباب، إذ لا يعني النزوح فقدان المنزل فقط، بل قد يصاحبه فقدان العمل وتعطل التعليم وتفكك العلاقات الاجتماعية واضطراب الاستقرار الأسري. كما يمكن أن تضيف البطالة وانسداد فرص المستقبل ضغوطاً أخرى، خصوصاً بين الشباب.
لكن المختصين يحذرون من اختزال جميع محاولات الانتحار في الحرب أو الفقر وحدهما، فلكل حالة ظروفها النفسية والعائلية والاجتماعية، وقد تتداخل عوامل متعددة في دفع الشخص إلى أزمة حادة.
هل تخفي الأسر ما يحدث؟
المشكلة لا تتوقف عند الحالات التي تصل إلى المستشفيات أو تسجل رسمياً، إذ قد تتجنب بعض الأسر الكشف عن محاولات الانتحار خشية الوصمة الاجتماعية، وهو ما يجعل قياس حجم الظاهرة الحقيقية أكثر صعوبة.
ويؤكد حاتم حسن أن التعامل مع الشخص الذي يمر بأزمة نفسية يجب أن يقوم على الدعم وطلب المساعدة المتخصصة، لا على التوبيخ أو الاتهام أو السخرية.
ومن المؤشرات التي تستدعي الانتباه، وفق المختص، التغير المفاجئ في السلوك، والعزلة الشديدة، والحديث المتكرر عن الموت أو فقدان الأمل، إلى جانب التغيرات الواضحة في السلوك والعلاقات الاجتماعية.
مدني وكسلا والقضارف.. حالات متفرقة أم جرس إنذار؟
تكرار الأخبار في مدن مختلفة لا يعني بالضرورة وجود سبب واحد يجمع بينها، ولا يمكن ربط جميع الحالات بالحرب بصورة مباشرة. لكن الحرب قد تضيف طبقات جديدة من الضغوط إلى أزمات نفسية واجتماعية واقتصادية كانت موجودة من قبل.
وهنا تتجاوز القضية تفاصيل كل حادثة إلى سؤال يتعلق بالصحة العامة: هل يعيش السودان أزمة نفسية صامتة لم تُقَس بعد بصورة كافية؟
الصحة النفسية في آخر الصف
في ظل الأزمة الصحية والإنسانية الواسعة التي يعيشها السودان، تواجه خدمات الصحة النفسية تحديات كبيرة في الوصول إلى المحتاجين إليها. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الحرب ألحقت أضراراً واسعة بالنظام الصحي السوداني، ما جعل توفير الخدمات الصحية، بما فيها الرعاية النفسية، أكثر صعوبة.
ويرى حاتم حسن أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على استقبال الحالات بعد وصولها إلى المستشفى، وإنما تحتاج إلى توسيع خدمات الدعم النفسي، وتعزيز دور الأسرة والمجتمع، وإتاحة قنوات آمنة لطلب المساعدة، إلى جانب إجراء دراسات وإحصاءات أكثر انتظاماً لفهم حجم المشكلة وأسبابها.
خلف كل محاولة قصة لا تظهر في الخبر
وراء كل محاولة انتحار قصة إنسانية لا تظهر كاملة في بضعة أسطر؛ شخص فقد عزيزاً، أو خسر مصدر دخله، أو نزح من منزله، أو عاش تجربة صادمة، أو وجد نفسه وحيداً أمام أزمات متراكمة.
ولهذا فإن الأخبار المتداولة عن محاولات الانتحار في مدن سودانية مختلفة تستحق أن تُقرأ باعتبارها قضية صحة عامة تحتاج إلى البحث والمتابعة، لا مجرد حوادث عابرة في صفحات الحوادث.
فالسؤال لا يتعلق فقط بعدد الحالات التي وصلت إلى المستشفيات، بل أيضاً بعدد الأشخاص الذين يعيشون أزمات نفسية عميقة في صمت ولا يجدون طريقاً آمناً لطلب المساعدة.
وفي بلد أنهكته الحرب، قد تكون مواجهة اليأس جزءاً من معركة أخرى لا تقل أهمية: إنقاذ الإنسان قبل أن يصل إلى حافة الحياة.




