تقارير وتحقيقات

على خطى البشير.. البرهان يتخبط في مصيدة العزلة الدولية والرفض الشعبي

تقرير – التنوير

في المشهد السوداني الراهن، تعيد الحوادث نفسها بصورة تطابق سيرة نظام الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول. فكما انتهت حقبة الرئيس المعزول عمر البشير بعزلة دولية خنقت الدولة، وملاحقات قانونية من محكمة الجنايات الدولية بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في دارفور، يسير قائد الجيش عبد الفتاح البرهان على ذات النهج بدقة متناهية، حاصداً العزلة ذاتها والاتهامات العابرة للحدود، بدءاً من جرائم الحرب وصولاً إلى ملف استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين.

ولعل المظهر الأكثر إيجازاً لهذا الارتباك تجلى في استاد الخرطوم، حين تحول حفل لغناء “الراب” إلى منصة سياسية اضطرارية. فاقتحام البرهان لفعالية شبابية ليبرر أزمة حرمانه من تأشيرة الدخول للولايات المتحدة لم يعكس سوى حجم الخناق الدبلوماسي الذي يحيط بسلطته، محاولاً انتزاع لقطة للالتفاف الشعبي تعوضه عن سحب الشرعية الدولية.

ويعلق الكاتب الصحفي والمحلل السياسي إيهاب مادبو على هذه الواقعة مؤكداً أن البرهان، وبعد أن أغلقت واشنطن أبوابها في وجهه ومنعته من دخول أراضيها، بات يتحين أي فرصة للظهور وسط السودانيين حتى لو كان ذلك في بيت عزاء أو مناسبة اجتماعية، عله يجد ما يسد به فجوة العزلة الترميمية لصورة شعبية مفقودة. ويرى مادبو أنه لما فشل “الكيزان” في حشد مسيرات مليونية ترفع عنه حرج العزلة وتمنحه بعضاً من الشرعية كما كان يفعل سلفه البشير، قرر اقتحام تجمع الاستاد بالمصادفة لبيع الوهم للعالم، لكن المحاولة ارتدت عليه، إذ تدافعت الجماهير نحو المخارج لتصوت بأقدامها رافضة وجوده، تاركة إياه أمام حقيقة مريرة مفادها أن “العزلة بالخارج تقابلها ارتباكات بالداخل، وأن الشعبية لا تستورد من مدرجات الاستادات”.

هذا المأزق الميداني والسياسي تضاعف أثره عقب البيان الصارم الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، والذي نزع الشرعية عن سلطة بورتسودان، مؤكداً أن البرهان لا يمثل سلطة دستورية. وكرد فعل تقليدي مستنسخ من أدبيات التسعينيات، حركت الحركة الإسلامية التي تقف خلف البرهان مسيرات ومظاهرات معادية للولايات المتحدة في عدد من مدن الشرق والشمال، رافعة شعارات التكبير والتمكين والمطالبة باستمرار النزاع المسلح، في محاولة يائسة لإعادة إنتاج خطاب التسعينات وفرض معادلة العداء مع واشنطن لحماية نفوذ التنظيم.

ولم تتوقف الضغوط الأمريكية عند حدود التأشيرات والبيانات السياسية، بل تعدتها إلى تصعيد نوعي في ملف الانتهاكات الجسيمة، إذ رفعت الإدارة الأمريكية من مستوى اتهاماتها لمؤسسة الجيش، محملة البرهان شخصياً المسؤولية المباشرة عن استخدام الأسلحة الكيميائية والغارات الجوية ضد المناطق المأهولة بالمدنيين. وجاء هذا الموقف متوافقاً مع التحركات الدبلوماسية لفرض حظر شامل على توريد السلاح، وملاحقة خطوط الإمداد القادمة من أطراف إقليمية ودولية.

وفي هذا السياق، جاءت التصريحات الأخيرة للمستشار الخاص للرئيس الأمريكي مسعد بولس لتضع النقاط على الحروف، حيث أكد أن قرار منع البرهان من الحصول على التأشيرة وحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك ليس إجراءً إدارياً عابراً، بل هو “رسالة واضحة وصريحة لجنرالات السودان بأن مواقفهم وسلوكهم العسكري والسياسي لم يعودا مقبولين إطلاقاً لدى واشنطن والمجتمع الدولي”. وأشار بولس إلى أن واشنطن تُفعل حزمة أدوات ضغط متصاعدة تشمل العقوبات المالية المباشرة، وحظر السلاح، وتتبع الشرايين الاقتصادية لتدفقات الذهب، لوضع حد لإطالة أمد الحرب وتغييب الحل السياسي.

إن التقاء الموقفين الإقليمي والدولي عند رفض استمرار الواقع الراهن، إلى جانب الغضب الشعبي المتصاعد في الداخل وتفاقم الأزمة الاقتصادية، يضع البرهان والحركة الإسلامية الداعمة له في مواجهة صريحة مع الداخل والخارج، فالتكتيكات الأمنية ومحاولات استغلال المساحات الثقافية أو تحريك المسيرات العقائدية المعادية لأمريكا، لم تعد قادرة على طمس حقيقة أن العزلة التي طوقت نظام البشير تكتمل أركانها اليوم حول سلطة بورتسودان، مشيرة إلى نهاية حتمية لكل محاولات فرض الشرعية بالقوة والأمر الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!