مآلات الخطاب الإقصائي في السودان: بين التوصيف العسكري والتحريض للإبادة الجماعية

مآلات الخطاب الإقصائي في السودان: بين التوصيف العسكري والتحريض للإبادة الجماعية
بقلم: نجوي بابو
تتسارع وتيرة التحولات في المشهد السوداني لتتجاوز أبعاد الصراع المسلح التقليدي بين جيش نظامي وقوة تابعة للجيش النظامي نحو منزلقات بالغة الخطورة ترتبط ببنية الخطاب السياسي والعسكري السائد. إن تكرار عبارات وشعارات من قبيل القضاء على آخر جنجويدي من قبل قيادة القوات المسلحة وحكومة الأمر الواقع في بورتسودان، لم يعد يُمثّل مجرد تعبير عن هدف عملياتي عسكري لتفكيك قوة مسلحة بل أضحى يثير هواجس مشروعة وتساؤلات قانونية وسياسية عميقة حول طبيعة المستهدف الفعلي بهذا الخطاب. تكمن الأزمة الحقيقية في أن مصطلح الجنجويد في الحرب الدائرة رسالة مبطنة زرعت في الوجدان السوداني والتاريخ الحديث ارتباطاً وثيقاً بمكونات اجتماعية وقبلية بعينها في مناطق دارفور وكردفان، مما يجعل إطلاق الوعيد بالاستئصال الشامل يمتد تلقائياً في أذهان الحواضن الاجتماعية لهذه المجموعات ليشمل إبادة مجتمعاتهم بأكملها، وتحويل الحرب من سياقها السياسي والعسكري إلى مواجهة وجودية تستهدف الهوية العرقية والنسيج المجتمعي.
من الناحية القانونية والدولية، تقع هذه التصريحات والوعيد المستمر تحت طائلة التوصيفات الصارمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، وتحديداً اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948. فالإبادة الجماعية لا تشترط فقط التنفيذ المادي للقتل، بل تبدأ من الشحن المعنوي، والتحريض العلني، واستخدام لغة تقصي وتلغي الآخر الإثني، وتصنفه كعدو تجب إبادته بالكامل. وعندما تصدر هذه التصريحات من أعلى هرم السلطة العسكرية والسياسية وأمام وسائل الإعلام العالمية، فإنها تُترجم قانونياً كدليل على النية والقصد ال لتدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية، كلياً أو جزئياً. ويجادل قانونيون وحقوقيون بأن غياب التمييز الحاسم والصارم في الخطاب الرسمي بين المقاتلين النظاميين في قوات الدعم السريع والمدنيين الذين ينتمون إلى ذات القبائل، يمنح ضوءاً أخضر وشرعية شعبية لعمليات الانتقام الجماعي والتطهير العرقي، وهو ما وثقته بالفعل تقارير لجان التحقيق الدولية والمحكمة الجنائية الدولية في عدة مناطق شهدت فظائع على أساس الهوية.
في المقابل، تحاول الرواية الرسمية للدولة حصر دلالات هذا الخطاب في إطار الحفاظ على السيادة ومحاربة فصيل عسكري ارتكب انتهاكات واسعة ضد الدولة والمدنيين، معتبرة أن مصطلح الجنجويد يصف سلوكاً وميليشيا خارجة عن القانون وليس عرقية بذاتها. ومع ذلك، فإن الواقع السياسي والاجتماعي على الأرض يثبت أن الكلمات في أوقات الحروب الأهلية تكتسب قوة السلاح، وأن الاستقطاب الحاد السائد يجعل من المستحيل فصل المصطلح العسكري عن حواضنه الاجتماعية. إن الاستمرار في تبني خطاب الاستئصال الكلي أمام كاميرات العالم يضع الحكومة السودانية في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية، ويُعزز من عزلتها الخارجية، ويُقدم الذرائع للتدخلات الدولية لحماية المدنيين. وفي الختام، يتضح أن حماية السودان ووحدته لا يمكن أن تتأتى عبر تبني استراتيجيات عسكرية أو خطابات سياسية تتوعد بإقصاء أو إبادة مكونات أصيلة من الشعب، بل إن المخرج الوحيد يتطلب فصلاً حاسماً بين العمل العسكري ضد المسلحين وبين صيانة حقوق المجتمعات المدنية، والاعتراف بأن الإصرار على لغة الاستئصال الشامل لن يقود إلا إلى تمزيق ما تبقى من النسيج الاجتماعي السوداني، وتحويل الدولة إلى ساحة لجرائم دولية لن يسقط الحق في المحاسبة عليها بالتقادم.




