رأي

اليوم العالمي للصحة النفسية: إنسان السودان بين طاحونة الحرب وغياب العدالة 

اليوم العالمي للصحة النفسية: إنسان السودان بين طاحونة الحرب وغياب العدالة

بقلم: نجوي بابو

يمر السودان بأعقد مرحلة في تاريخه المعاصر حيث أفرزت سنوات النزاع المسلح أزمة مركبة تجاوزت دمار البنية التحتية لتضرب العمق الإنساني، النفسي، والجسدي للمواطن. في بلد تحول فيه الملايين إلى نازحين ولاجئين، وأصبح آخرون أسرى في زنازين عسكرية ومحاكم ميدانية تفتقر لأبسط المقومات، لم تعد الصحة النفسية مجرد ترف طبي، بل باتت قضية أمن قومي وسقوطاً كاملاً لمنظومة الحقوق الأساسية.

تُصنف الحروب الممتدة كأكبر مهدد للصحة العقلية للشعوب. في الحالة السودانية، تحولت المعاناة من حالات فردية إلى صدمة جماعية مستمرة ومتوارثة تصيب المجتمع في مقتل. إن غياب الرعاية التخصصية وتدمير المنشآت الطبية الكبرى مثل مستشفى التجاني الماحي وغيره من المصحات أدى إلى حرمان المرضى من العلاج الأساسي. دفع هذا الوضع بالبعض إلى الشوارع أو الانزلاق نحو الإدمان كآلية هروب غير واعية من الواقع الصادم. هذا الانهيار السلوكي، تحت وطأة الفظائع العسكرية وفقدان الأقارب، يُفسر تصاعد حالات العنف غير المبرر وتفكك الروابط الاجتماعية الحاد نتيجة لاضطراب ما بعد الصدمة المزمن.

الجسد والنفس مرآتان لبعضهما البعض فالألم النفسي غير المعالج يترجم سريعاً إلى كوارث صحية ملموسة. تساهم هرمونات التوتر المزمنة في رفع معدلات الإصابة بالأمراض النفس جسدية كالجلطات القلبية والسكري، وهي أمراض تفتقر حالياً لبروتولات العلاج والمستشفيات المؤهلة. يعاني الجسد السوداني في معسكرات النزوح من ثنائية قاتلة ضعف المناعة الناتج عن الضغط النفسي الشديد، بالتزامن مع سوء التغذية الحاد وانتشار الأوبئة والمجاعة. يحول هذا الواقع حالات الجرحى والمرضى إلى إصابات مستعصية الشفاء أو وفيات كان يمكن تفاديها.

من الناحية القانونية، تشهد الساحة السودانية غياباً كاملاً لسيادة حكم القانون وتغولاً للمحاكم الميدانية والعسكرية. إن حجز المدنيين في زنازين تفتقر للمقومات البشرية، وغياب المحاكمات العادلة، يمثلان انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف المعنية بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. تندرج ممارسات الإخفاء القسري، والتعذيب النفسي والجسدي داخل الزنازين، والمحاكمات الصورية تحت بند جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفقاً للقانون الدولي الإنساني، والتي لا تسقط بالتقادم وتستوجب ملاحقة مرتكبيها.

سياسياً، يعكس هذا الواقع المتردي الفشل البنيوي لآليات إدارة الدولة وتخلي السلطات عن التزاماتها الأساسية تجاه مواطنيها. إن حرمان المجتمع من الحماية الطبية والأمنية، وتركه لقمة سائغة للمخدرات أو الجريمة أو الانهيار العقلي، يمثل توظيفاً غير مباشر للأزمة الإنسانية لإنهاك الحاضنة الاجتماعية وتحييد فئة الشباب. يضع هذا الوضع المتدهور المنظمات الإقليمية والدولية أمام مسؤوليتها السياسية والأخلاقية بضرورة فرض ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية والطبية النفسية، واعتبار ملف الصحة العقلية للمتضررين جزءاً لا يتجزأ من ملف الإغاثة العاجلة.

إن إنقاذ السودان لا يقتصر على إسكات البنادق والوصول إلى تسويات سياسية فحسب، بل يبدأ من ترميم الإنسان السوداني من الداخل. إن تجاهل الكارثة النفسية والجسدية الحالية يعني إنتاج جيل مشوه بالصدمات، وهو ما يهدد أي فرصة مستقبلية للاستقرار أو إعادة الإعمار. الصحة النفسية في زمن الحرب هي خط الدفاع الأخير عن آدمية الإنسان، وحمايتها واجب طبي، قانوني، وسياسي لا يقبل الإرجاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!