سيحرق البرهان بنارٍ أوقدها بيديه!

سيحرق البرهان بنارٍ أوقدها بيديه!
يقلم: الفاضل منصور
إن الخصومة المفرطة، مهما بلغت حدّتها، لا تكفي وحدها لصناعة تحالفات دائمة بين قوى تتناقض في مصالحها ومشروعاتها السياسية وتاريخها. فالعدو المشترك قد يؤجل ظهور التناقضات، لكنه لا يلغيها، والتحالف الذي لا يستند إلى حد أدنى من المشتركات الوطنية والسياسية يظل محكوماً بتناقضاته المؤجلة، لا بقوة الروابط التي تجمع أطرافه.
إن الدافع الذي ساق بعض هذه القوى إلى التحالف مع البرهان، خارج قناعاتها ومشروعها السياسي، لا يمكن أن يتحول إلى إيمان دائم، بل إن اللحظة التي تتغير فيها موازين المصالح ستعيد كل طرف إلى موقعه الطبيعي، وربما قبل أن تكتمل المعركة التي اجتمعوا من أجلها.
لقد حاول البرهان، منذ اندلاع هذه الحرب، حشد كتل عسكرية وسياسية متباينة خلف جيشه المتآكل، متوهماً أن الخصومة مع قـ.وات الدعـ،م السـ،ريع بقيادة دقـ،لو كافية لتحويل جميع خصوم الأمس إلى حلفاء دائمين. ويبدو أن حساباته قامت على معادلة مرحلية مفادها توظيف هذه القوى في معركته ضد دقـ،لو، ثم التعامل معها لاحقاً وفق المنطق ذاته الذي تعامل به مع خصومه السابقين.
غير أن هذا الرهان يتجاهل حقيقة سياسية وتاريخية أساسية، وهي أن هذه التشكيلات لا يجمع بينها مشروع وطني موحد، ولا تتطابق مصالحها الاستراتيجية، بل إن بينها تناقضات عميقة، سواء فيما بينها أو في علاقتها بالمؤسسة العسكرية التي يقودها البرهان.
فالقوة المشتركة بقيادة مناوي وجبريل، والحركة الشعبية جناح مالك عقار، ودرع البطانة بقيادة كيكل، ودرع الغرب الذي تشكل من بعض المجموعات العربية في دارفور، ليست مجرد تشكيلات عسكرية مختلفة في البنية والقيادة، وإنما تمثل أيضاً تباينات سياسية ومصلحية وتاريخية تجعل الحديث عن انسجامها الاستراتيجي أمراً بالغ الصعوبة. بل إن بعض هذه القوى لا تملك من المشتركات السياسية مع الجيش نفسه ما يكفي لبناء تحالف مستقر يتجاوز ضرورة المواجهة العسكرية الراهنة.
وتتجلى هذه التناقضات بصورة أوضح في مسألة الانتشار العسكري وتحديد الأولويات. فالقوة المشتركة، التي تدرك أن الحفاظ على وزنها العسكري وموقعها السياسي داخل السلطة القائمة في بورتسودان يرتبط بحماية مواقع نفوذها، ترى أن انتشارها في شرق السودان وشماله والخرطوم ضرورة لحساباتها السياسية والعسكرية. في المقابل، يريد البرهان توجيه هذه القوات نحو دارفور، باعتبارها ساحة المعركة التي يسعى إلى استعادة السيطرة عليها.
وهنا تتكشف إحدى أبرز أزمات هذا التحالف؛ فالبرهان ينظر إلى هذه القوات باعتبارها أدوات إضافية في معركته العسكرية، بينما تنظر هي إلى مشاركتها باعتبارها استثماراً في حماية مواقعها وتعزيز حصتها في السلطة وموازين النفوذ. وهذا اختلاف جوهري لا يمكن تجاوزه بمجرد توحيد العدو.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه البرهان بمحاولة إدارة هذه التناقضات وتأجيل انفجارها، يظل دقـ،لو وقـ.واته يواصلون التمدد عسكرياً وسياسياً، مستفيدين من حالة التباين داخل المعسكر المقابل، ومن غياب رؤية استراتيجية موحدة لدى القوى التي اجتمعت على عداوة مشتركة دون أن تتفق على مستقبل مشترك.
إن المعضلة الحقيقية أمام البرهان ليست فقط في مواجهة قـ.وات الدعـ،م السـ،ريع، وإنما في إدارة تحالف يضم قوى لا تتفق على طبيعة الدولة التي يريدها، ولا على شكل السلطة التي يسعى إليها، ولا حتى على أولويات الحرب ومآلاتها.
ولذلك فإن النار التي أوقدها البرهان لتأكل خصومه قد تصبح، في نهاية المطاف، النار التي تحاصره هو نفسه. فليس كل من يقاتل إلى جانبك حليفاً لمشروعك، وليس كل من يشاركك عداوة خصمك مستعداً لمشاركة مصيرك السياسي.
الفاضل منصور




