
باحث بالمركز الإفريقي للديمقراطية والتنمية
لقد تطرقنا ومن خلال مقالاتنا السابقة الى حجم المعاناة التي يتعرض لها المبدعين السودانيين.واوضحنا بان الحكومات السودانية، وعلي مدي تاريخها، لم تكن جادة في توفير معينات كافية للابداع في مختلف ولايات السودان، رغم الرسوم والعوائد والضرائب الباهظة التي تتحصل عليها تلك الحكومات من المدن والولايات والاقاليم السودانية ، والتي تعتبر هي المورد الرئيسي للانتاج الحيواني والزراعي والغابي والبترولي والمعدني وخلافه. والاهمال الذي يعاني منه المبدعين، هو من يدفعهم بالهجرة الي العاصمة، بحثا عن العلم والمعرفة، وصقلا للموهبه وتجويدا لمنتوجهم الابداعي والفكري.والمتابع لمسيرة الثقافة والفنون يكتشف ان نجومها اكثرهم من الاقاليم، حيث تعتبر الولايات هي دينمو الابداع و مركز الانتاج ،ومصدر التنوع ومسرح الحيوية والنشاط.ويقطنها السواد الاعظم من السكان. وبالاخص ولايات دارفور وكردفان والجزيرة والنيل الازرق والشرق والشمالية ونهر النيل. فالنهضة الفعلية للفنون يجب ان تنطلق من هوامش الدولة وليس من مراكزها.والخرطوم بوصفها عاصمة قومية،يفترض بها ان تمثل بوتقة انصهار لهذا الكم الهائل من التنوع الاثني والثقافي و الايقاعي والموسيقي واللغوي والديني والاقتصادي والسياسي والجغرافي والبيئي .ولكنها اختزلت الثقافة السودانية في داخلها، واستحوذت علي اكبر نصيب من التنمية الثقافية والاعلامية والعمرانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وعلي حساب بقية المدن والعواصم الولائية والقري والفرقان والبوادي السودانية.وقد احتضنت الخرطوم مراكز السلطةو وسيطرت علي اغلب منصات اتخاذ القرار الشعبي والرسمي والحكومي. وانشغلت مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية بامتيازاتها التاريخية القديمة، وتجاهلت مصالح الشعب ، حيث يتوافر بمدن العاصمة المثلثة والمعروفة بالخرطوم وبحري وام درمان : مقرات الاحزاب ومباني الوزارات ورئاسات الاجهزة الامنية والعسكرية واغلب المصانع والشركات.وقد عجزت جميع انظمة الحكم المركزي في تحقيق التنمية المتوازنة،كما فشلت في تطبيق العدالة الاجتماعية، وتسببت في ارتفاع موجات الغبن والاحتقان في معظم هوامش السودان .وكما اسلفنا وفي مقال سابق بان الفدرالية هي افضل نظام لحكم السودان، وقد نجح تطبيقها في الدول مترامية الاطراف، والغنية بتنوعها والمتعددة في اقطاب هوياتها، والمشابهة للسودان في تركيبته و تاريخه و نشأته. و تعتبر الفدرالية افضل وسيلة لتقليص اعداد الاحزاب والحركات والاجسام السياسية المنتشرة بكثافة في السودان، وربما تؤدي الي تذويبها في شكل كتلتين او اكثر وقد يحدث ذلك بشكل عفوي وتلقائ من دون وصاية او تدخل من احد ،لان المعيار المستخدم لتوزيع الثروة في النظام الفدرالي هو الكثافة السكانية وليس الاحزاب السياسية المطروحة في الساحة.واذا نظرنا لطبيعة النظام الفدرالي المطبق في امريكا نجد انه نجح في تقليص احزابها لحزبين او اكثر. مما ساهم بشكل ايجابي في توحيد قرارها الوطني و السياسي والاقتصادي والثقافي. و الفدرالية سوف تساعد الاقاليم السودانية علي التحكم في مواردها، وتمنحها اكبر قدر من الخصوصية الثقافية. والسودان يعتبر دولة ذات ارض وسيادة وثقافة وشعب وهوية، ولكنها وفي نظر الكثير من مواطنيها، تعتبر دولة غير وطنية، لانها لاذالت ومنذ سنوات طويلة تستهدفهم علي اساس الثقافة والقبيلة واللون والارض والهوية.والدولة الوطنية تهتم بانسانها و بتاريخها وتراثها وحضاراتها وثقافاتها. وتلك من اهم العناصر التي تساعد في توحيد الوجدان وترسيخ الانتماء و تعزيز الحس الوطني.وتسبيك الامن القومي. تعتبر الثقافة والفنون والفكر والابداع عوامل مهمة في رفع الوعي، وتغيير السلوك ومحاربة الاثار السالبة المترتبة عن الغزو الثقافي الاجنبي و المستورد.وللتراث السوداني دور كبير في العمل والانتاج والمحبة والسلام والطيبة والكرم والفراسة والتعايش والسربة والنفاير والرياضة والصراع والخ. وعلي الدولة ان تقوم بتضمين الموسيقي، والمسرح والرسم والتشكيل والرياضة والفلكلور والتصوير والمونتاج في جميع مراحل التعليم االابتدائ والثانوي والجامعي.ويعتبر ادخال الفنون في المناهج التربوية امر في غاية الاهمية، لانه يساعد علي تنمية القدرات وتطوير المهارات، ويوفر فرص عمل لخريجي الكليات الجامعية العاملة في مجالات الفكر والفنون الابداع.ويخفف من هجرة الكوادر العلمية لخارج البلاد. وعلي الدولة ابتكار مناهج علمية مختصة بتدريس اللغات السودانية حفظا لها من الشرخ او التشوية او الانقراض.وطالما ان الفنان هو بن بيئته، فالدولة ملزمة بان توفر له عناصر النهوض في الولاية التي ينتمي اليها دون ان تتركه يهاجر بعيدا عنها بسبب الظلم والتهميش والاضهاد الذي يتعرض له سكانها. واذا لم تسعي الحكومة الي تغيير سياساتها التنموية والاقتصادية و الثقافية الفاشلة، ستواجة باجيال جديدة اشد عصيانا لها من الاجيال السابقة و الحالية.


