
نجم الدين دريسة
تعيش الشعوب السودانية اليوم واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخها الحديث، بل يمكن القول إنها الأسوأ منذ نشوء ما يُعرف بالدولة السودانية الحديثة. أزمة مركبة، لا تقتصر على الحرب وحدها، بل تعكس فشلًا متراكمًا في بنية الدولة نفسها، دولة وُلدت معلولة، وفشلت باستمرار في إدارة تنوعها العرقي والثقافي والديني، وعجزت عن توظيف مواردها الطبيعية والبشرية لصالح شعوبها، فدخلت في دوامة لا تنتهي من النزاعات المسلحة والانقلابات السياسية والتدهور الاقتصادي.
هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تركة استعمارية ثقيلة، تواصلت بعد الاستقلال دون مراجعة أو إصلاح. النخب السودانية التي تولت قيادة الدولة بعد الاستعمار كانت مرتهنة فكريًا وسياسيًا للمركز المصري، واستنسخت نموذج دولة مركزية استبعادية، اختزلت الوطن في نخبة ضيقة من الصفوة الحضرية، وأقصت بقية المكونات المجتمعية من العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
في ظل هذه المنظومة، أصبح السودان يُوصم بأنه “دولة مصابة بلعنة الموارد”؛ بلد غني بالذهب والزراعة والثروات، لكنه عاجز عن تحقيق تنمية متوازنة. السبب ليس غياب الموارد، بل سوء إدارتها واحتكارها من قبل نخب تبحث عن السلطة والثروة، وتستقوي بالمؤسسة العسكرية لقمع الهامش، بدل أن تنخرط في مشروع وطني جامع.
والأخطر أن حتى مشروع الاستقلال نفسه، الذي يُفترض أن يكون لحظة تأسيس لميلاد الدولة، كان مشروعًا نخبويًا بحتًا، لم يعبّر عن تطلعات الغالبية من السودانيين. كان اختطافًا ممنهجًا للدولة الوليدة، حرمت فيه الشعوب من المشاركة في كتابة عقدها السياسي. وهكذا نشأت دولة بلا شعب، وجيش بلا هوية وطنية، وأجهزة حكم بلا تمثيل حقيقي.
ولذلك، لم يكن غريبًا أن تتصاعد حركات التمرد والاحتجاج عبر العقود. هذه الحركات، وإن اختلفت أشكالها، كانت جميعها رد فعل على مركزية متوحشة، دولة اختارت العنف بدل الإصلاح، والاحتكار بدل الشراكة، والاقصاء بدل العدالة. ومع كل انتفاضة أو حركة مسلحة، كانت المؤسسة العسكرية تتحرك لحماية الامتيازات، باعتبارها الضامن الأكبر لمصالح نخب الداخل وداعميهم في الخارج، خصوصًا القاهرة، التي رأت في الجيش السوداني أداة لحماية أمنها القومي ولو على حساب استقرار السودان.
الحرب الراهنة، التي اندلعت في أبريل، تختلف جذريًا عن سابقاتها. هذه المرة، تفجّرت من قلب المركز، حيث تحتدم الصراعات بين أطراف النظام القديم حول من يسيطر على مفاصل الدولة. ما نشهده اليوم ليس فقط معركة بين جنرالات، بل لحظة انكشاف كامل لعجز بنية الدولة المركزية عن مواصلة الهيمنة. وكل محاولة للزج بالجيش في تسويات جديدة، بدعم إقليمي، هي إعادة إنتاج للأزمة، لا حل لها.
ورغم كل هذا الظلام، فإن هناك مؤشرات واعدة. تنامي الوعي الشعبي، خاصة بين الأجيال الجديدة، يشير إلى أن السودان ليس محكومًا بمصيره القديم. الانقسام السياسي والاجتماعي القائم لا يلغي حقيقة وجود رغبة حقيقية لدى قطاعات واسعة في التحرر من دوائر التبعية والانقلابات. إضافة إلى ذلك، فإن السودان لا يزال يمتلك مقومات نهوض قوية: موارده الهائلة، وموقعه الجيوسياسي، وتنوعه الإنساني، كلها يمكن أن تكون أسسًا لدولة جديدة.
لكن التغيير الحقيقي لن يأتي من تسوية فوقية جديدة، ولا من انقلاب عسكري “أخف ضررًا”، بل من مشروع سياسي جديد، يقوم على الاعتراف بالتنوع، وإعادة تعريف الهوية الوطنية، وتفكيك بنية الدولة العنيفة التي اختطفت البلاد منذ الاستقلال. في جوهر الأزمة السودانية يكمن سؤال لم يُجب عليه بعد: لمن تكون هذه الدولة؟ هل ستظل حكرًا على فئة قليلة تحكم باسم التاريخ والسلاح؟ أم ستُعاد صياغتها لتعبّر عن الملايين من المهمشين والمحرومين؟
الإجابة على هذا السؤال هي مفتاح الخروج من الكارثة الحالية. لا تزال الفرصة قائمة، رغم الدم والدمار، لبناء سلام حقيقي، شامل، وعادل. السودان لا تنقصه الإمكانيات، بل يحتاج فقط إلى شجاعة تأسيس مشروع دولة، يُكتب بأيدي شعبه، لا بالوصاية عليه.




