رأي

الحلقة التاسعة: خطاب الكراهية كأداة للتمكين السياسي – عبدالرحمن عمسيب نموذجًا

صالح السليمي

صالح السليمي

في هذه الحلقة من سلسلة الذات العنصرية – عبدالرحمن عمسيب نموذجًا، نركّز على بعد بالغ الخطورة، حيث تحوّل خطاب الكراهية من حالة شعورية مشوشة إلى أداة سياسية مُنظّمة لخدمة مشروع سلطوي.

عبدالرحمن عمسيب، وغيره من دُعاة العنصرية الصريحة والمبطّنة، لا يمارسون الكراهية مجّانًا؛ بل يوظفونها عن قصد في صراع الهيمنة، وتقسيم الفضاء العام لصالح جماعاتهم، وخلق حالة من الاصطفاف القبلي والسياسي المزيف. هذا النوع من الخطاب ليس عشوائيًا، بل هو مدروس، وله أهداف ونتائج مباشرة.

أولًا: صناعة العدو الداخلي كمصدر للسلطة

في الخطاب العمسيبي، يتم تقديم مكونات سودانية كاملة – جغرافية وعرقية وثقافية – باعتبارها تهديدًا وجوديًا لبقية المجتمع. والهدف من ذلك واضح:

• خلق حالة من الخوف الجماعي لدى فئة معينة.

• إنتاج شعور بالحصار والاضطهاد، يتم استثماره سياسيًا.

• تقديم الذات العنصرية كـ”منقذ أو مدافع” عن الجماعة العرقية التي تمّ تحفيزها بالكراهية. وهكذا، يُعاد إنتاج زعيم مهووس بالهيمنة، عبر استخدام حالة التهديد المصنوع.

ثانيًا: تأجيج الذاكرة الانتقائية

يلعب دعاة الكراهية مثل عمسيب على أوتار الذاكرة الانتقائية:

• يضخمون أحداثًا تاريخية جزئية، ويغضّون الطرف عن غيرها.

• يسوقون المجازر أو الأخطاء التي ارتُكبت من قبل مكون ما، كحجة لإدانة جميع المنتمين إليه، حتى الجيل الحالي.

• يتعمدون تسييس الجراح الوطنية واستثمارها لأغراض سلطوية، لا للعدالة أو المصالحة.

بهذا، يصبح التاريخ سلاحًا انتقاميًا، لا أداة تعلّم أو بناء.

 

ثالثًا: خطاب الكراهية بوصفه اقتصادًا سياسيًا

لا يقتصر أثر خطاب عمسيب وأمثاله على المجال الرمزي، بل يمتد إلى:

• احتكار فرص التوظيف داخل الأجهزة العامة لصالح “العنصر النقي”.

• فرض شروط انتقائية على المساعدات والخدمات.

• تمييز المناطق تنمويًا حسب “ولائها العرقي أو الثقافي”.

• بل وحتى الحصول على دعم سياسي خارجي من قوى لا تريد استقرار السودان، بل تُغذي خطابات التقسيم.

وبذلك يتحوّل خطاب الكراهية إلى استثمار سياسي واقتصادي.

رابعًا: استدعاء الدين زورًا لتبرير العنصرية

في كثير من مقاطع عمسيب، نلاحظ تلاعبًا بالدين، حيث:

• يُستدعى الدين لإضفاء قداسة كاذبة على مشروعه العرقي.

• يتم تصوير الخصم العرقي على أنه خصم ديني، وهو خلط خطير يعيد إنتاج “الفتنة الكبرى” في شكل محلي، ومن ذلك نحو تعليقه (مواريثهم كتاب) قال ديل نحن (!)

وهنا تتلاقى العنصرية مع التكفير السياسي والديني، في مزيج شديد الانفجار.

 

خامسًا: تغلغل خطاب الكراهية في اللاوعي الجمعي

الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في بقاء خطاب الكراهية، بل في تطبيعه وتغلغله في وجدان فئات واسعة من المجتمع، لا سيما:

• الشباب الذين ينشأون في ظل هذه السرديات.

• الفقراء الذين يُحقَنون بالكراهية كبديل عن المطالبة بالعدالة الاقتصادية.

• الفئات الهامشية التي يُراد لها أن ترى الآخرين سببًا في معاناتها، وليس المنظومة نفسها.

وحين تصبح الكراهية “ثقافة” لا مجرّد موقف، نكون قد دخلنا نفقًا مظلمًا.

سادسًا: كيف نواجه توظيف الكراهية سياسًا؟

1. فضح أدوات الاستثمار في العنصرية من إعلاميين ومنتفعين وسياسيين.

2. تفكيك البنية الخطابية لهؤلاء العنصريين بالأدلة والمنطق.

3. دعم الثقافة الوطنية الجامعة عبر الفن والمسرح والتعليم.

4. محاسبة من يروج لخطاب الفتنة، لا سيما إن كانت له صلات خارجية أو يعمل في مؤسسات عامة.

5. بناء شبكات مجتمعية للمقاومة السلمية ضد الكراهية.

في الحلقة العاشرة والأخيرة من هذه السلسلة، سنتأمل سويًا في طريق الخلاص: كيف نبني مشروعًا وطنيًا يتجاوز “الذات العنصرية” نحو “الذات الوطنية الجامعة”، ويؤسس لمستقبل سوداني متصالح مع نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!