رأي

أحمد عثمان حمزة… راعي الامتيازات التاريخية والعنصرية

 

الوالي أحمد عثمان حمزة، أحد ضباط الإداريين دفعة 1987، خرج من رحم الحركة الإسلامية، وقضى جل خدمته في ولاية الخرطوم، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمحلية أمبدة لأكثر من عقد ونصف، في زمن كان فيه الوصول إلى هذا الموقع حكرًا على الإسلاميين ومنحدري شمال السودان. عُرف حمزة آنذاك بـ”الصندوق السري” لجهاز الأمن الشعبي، وصاحب الكلمة الفصل في بقاء أي مسؤول أو إقصائه من الولاية خاصة الضباط الاداريين. ويُقال إن أصوله تعود إلى شمال السودان، لكنه وُلد في أطراف النيل الأزرق، وترعرع في الهاشماب، وهو متزوج من عائلة ذات أصول إغريقية. وتاريخ السودان مليء بأمثال هؤلاء الذين مارسوا التمييز وانتهكوا حقوق الإنسان، وغالبًا ما جاءوا من البيئات ذاتها التي أنجبت هذا النمط من السلطة.

بعد انقلاب 25 أكتوبر، جاء حمزة إلى منصب والي الخرطوم بقرار من الانقلابيين، لضمان عودة الفلول، وأشرف بنفسه على إعادة كل من فككتهم لجنة إزالة التمكين. وما إن استقر في موقعه، حتى بدأ في إعادة إنتاج سياساته الإقصائية، فشنّ حملة لإزالة الأحياء والأسواق، مستعينًا بمديرين تنفيذيين جرى اختيارهم بعناية خارج الأطر القانونية، ودون إنذارات مسبقة أو توفير بدائل للمتضررين. جرت تلك العمليات بأسلوب عسكري صارم، وكأنها حملات أمنية لا إجراءات إدارية، وبقوة “عصابة الدولة” لا مؤسسات الحكم.

هذا النهج لا يمكن فهمه إلا باعتباره استهدافًا ممنهجًا للهويات بعينها، تحديدًا هوية المجتمعات القادمة من الهامش الجغرافي والاقتصادي والثقافي، حيث يُعاقب الناس لا على أفعالهم بل على أصولهم وانتماءاتهم. أما المبرر الرسمي، فكان “محاربة السكن العشوائي ومعالجة التشوهات البصرية” في الخرطوم ما بعد الحرب، لكن الحقيقة أعمق وأكثر خطورة.

فالجيش، في هذا السياق، لم يعد كيانًا وطنيًا محايدًا، بل تحول إلى “جيش الامتيازات”، يوظف قدرته القمعية وموارده لخدمة مشروع اقتصادي–جهوي محدد، يحتكر السلطة والثروة ويعيد صياغة مفهوم المواطنة على أساس الولاء للمركز.

من الأمثلة الصارخة على ذلك، إزالة حي مرسي في ضواحي شمبات، الذي يقطنه غالبية من أفراد الجيش الذين يقاتلون في الخطوط الأمامية دفاعًا عن دولة 1956 العنصرية ، ليعودوا فيجدوا أسرهم مشرّدة بلا مأوى. وكذلك إزالة سوق المويلح، التي مثّلت الطرد الفعلي للحضور الاقتصادي للهامش من العاصمة، وكأن الأمر تنظيف لساحة خاصة من “ضيوف غير مرغوب فيهم”.

هذا النمط من العنف الممنهج ليس جديدًا على الدولة السودانية، لكنه اليوم يُمارس بوقاحة أكبر وبلغة مباشرة لا تحتاج لتجميل. لم تعد هناك حاجة لخطابات الوحدة أو شعارات التنمية؛ يكفي أن تنتمي لمجتمع يراه المركز “مشوشًا” أو “مشبوهًا” حتى تُمحى مساكنك ويُهدم مصدر رزقك ويُعاد تشكيل الفضاء العام بما يلائم خريطة الامتياز الطبقي والجهوي.

إن إزالة سوق المويلح والأحياء التي يقطنها مواطنون من خارج مركز السلطة هي رسالة واضحة بأن اقتصاد الهامش، مهما كان نافعًا وسلميًا، مرفوض في قلب الدولة ما لم يخضع لشروط الامتياز النيلي. وكل محاولة للعيش خارج هذه الشروط ستُقابل بالعقاب لا بالمنافسة العادلة.

وهكذا، فإن أحمد عثمان حمزة ليس سوى الذراع التنفيذية لمشروع عنصري ممنهج، وأحد أبرز الفاعلين في تكريس بنية الامتياز التي تغذي الانقسام وتعمق التمييز، وهو وشركاؤه يتحملون كامل تبعات هذا المسار.

الضابط الإداري /آدم بركة دفع الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!